الآن
السبت 19 أبريل 2014
اتجاهات تحليلات

النكتة السياسية الجديدة.. يا أمة ضحكت منها مواقع التواصل الاجتماعي
تويتر وفيس بوك: مصنع النكات التي تجلد الساسة
الخميس 21 فبراير 2013 / 15:23
24 ـ محمد أبو زيد
"عندما توفي الرئيس المصري السابق حسني مبارك قابل عبد الناصر والسادات، فسألاه: سم أم منصة؟ فأجاب: فيس بوك، وعندما ذهب القذافي إليهم سألوه: سم أم منصة أم فيس بوك؟ فنظر إليهم شذراً ثم قال: من أنتم؟ من أنتم؟".

هذه نكتة انتشرت عبر موقع تويتر عقب نجاح الثورتين المصرية والليبية. لكن بقراءة سريعة لمضمونها نجد أن ثمة عاملين جديدين يميزانها عن النكات السياسية السابقة، هما دخول مواقع التواصل الاجتماعي طرفاً في النكتة، والقصر الشديد بحيث لا تتجاوز 140 حرفاً كي تصلح للتداول على موقع تويتر.

الحقيقة التي أصبح يدركها الجميع الآن هي أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مصنع النكات الجديد، فمع تجاوز عدد مشتركي الموقعين الملايين أصبحت النكتة حاضرة بقوة للتعليق على الأحداث، فور وقوعها.

النكتة ثورة صغيرة 
يقول الروائي الإنجليزي جورج أورويل إن "النكتة ثورة صغيرة". وهذا التعريف يصلح للتطبيق على دول الربيع العربي التي ازدهرت فيها النكات أثناء ثورات شعوبها، بل كانت وقوداً ودافعاً لاستمرار هذه الثورات.

لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي ناقلاً للأخبار فحسب، أو مفجراً للثورة فقط، بل كانت مصنعاً للنكتة السياسية التي كانت أحد الأسلحة التي ساهمت في إسقاط الأنظمة، وقد تغيرت النكتة مع تفجر الربيع العربي، لتواكب الواقع الإنترنتي الجديد، فأصبحت سريعة، لاذعة، ساخرة، قصيرة، مكثفة. أضحت تعليقاً أكثر منها قصة قصيرة ذات حبكة تنتهي بمفاجأة مضحكة، كما أنها أصبحت تستفيد من تراث "الضحك" العربي، عبر اجترار نكات أو مشاهد من مسرحيات قديمة وإسقاطها على الواقع السياسي الراهن.

ومن الطريف هنا أن مواقع التواصل الاجتماعي نفسها أصبحت جزءاً من النكتة الجديدة، فيروى على لسان القذافي أنه قال "أنا لست ديكتاتوراً حتى أغلق فيس بوك، لكني سأعتقل من يدخل عليه".

النكتة المصرية
عقب نكسة 1967 خرج الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في خطاب رسمي مطالباً شعبه بالتوقف عن التنكيت على الجيش: "كفاية نكت". كان يدرك أن النكتة هي سلاح المصريين الذي يذبح دون دم. وقبل قيام الثورة المصرية، خرجت دراسات عدة تؤكد أن الشعب المصري أصبح مكتئباً وتوقف عن صنع النكتة، لكن مع خروج الشباب الغاضبين إلى الميادين يوم 25 يناير 2011، عادت النكتة لتتدفق في دمهم، وتحول ميدان التحرير ولافتاته إلى مادة جيدة لصنع النكات.

أطلق مراقبون على الثورة المصرية اسم "الثورة الضاحكة"، وذلك بسبب الكم الكبير من النكات التي أطلقت خلالها، وكان تويتر هو رسول هذه الضحكات، التي ينقلها من شخص إلى آخر. ولم تتوقف النكات بعد نجاح الثورة، بل استمرت وكأنها سلاح التغيير الذي اكتشفه المصريون فجأة، بل يمكن اعتبار أنها كتبت تاريخاً موازياً ساخراً لكل ما مر بهم خلال العامين الماضيين.

ففي الانتخابات الرئاسية خرجت النكات التي تسخر من المرشحين للرئاسة، وعلى رأسهم المرشح السلفي حازم أبو إسماعيل. تقول نكتة: "رجل يقول لحبيبته: أحبك أكثر من ملصقات أبو إسماعيل في الشارع"، وتقول أخرى: "رجل يقول لزوجته: أنت عندي أغلى من سيجار عمرو موسى".

كما يمكن رصد مئات الصفحات الساخرة على فيسبوك التي انطلقت بعد نجاح الثورة تسخر فقط من النظام السابق، وهو الأمر الذي تحول الآن إلى سخرية من جماعة الإخوان المسلمين. ففي حين تطلق القوى المدنية صفحة تسخر فيها من الإخوان بعنوان "أنا إخوان، أنا مقطف بودان"، نجد القوى الإسلامية تطلق صفحة بعنوان "حمدين صباحي واحد خمنا".

التنكيت على الإسلاميين
ولأن النكتة ضد تقييد الحريات وعدوة القمع، استمر تويتر في صنع النكات بعد وصول الإسلاميين إلى سدة إلى الحكم، وثمة نكتة عن أكبر الطرق العاصمة المصرية المعروف باسم "الطريق الدائري"، ورغبة الإخوان في تغيير اسمه إلى "الطريق المستقيم"، وأخرى تقول "من النهارده اللي يكسر إشارة مرور يصوم 3 أيام"، وثالثة تروي أن "شباب 6 أبريل سيغيرون اسمهم إلى فتية 6 ربيع الآخر"، وكتب أخير بعد تولي مرسي الرئاسة "قرار جمهوري رقم 1: تغيير اسم مدينة شرم الشيخ إلى فضيلة الشيخ" .

ثمة نكتة أخرى تسخر من وصول الإسلاميين إلى الحكم تقول "تجاوز أحد السائقين السرعة أثناء القيادة ، فأوقفته سيارة شرطة، فأخرج لهم رخصة القيادة، فضحك الضابط وقال: نظام الرخص ده انتهى عصره مع النظام البائد. فقال السائق: ما الذي تريده مني الآن؟ فقال الضابط: سمع سورة يس".

وأصبحت النكتة عقب وصول الإخوان إلى الحكم هي طريقة المصريين المثلى للتنفيس عن غضبهم وحنقهم، وتكفل موقع تويتر بذلك، فانتشرت الهاشتاغات الساخرة من كل قرارات مرسي وحكومته و"طائر النهصة"، لكن أكثر النكات انتشاراً طالت مشروع النهضة فانتشرت النكات التي تقول إن "البلد وهي بتنهض اتكفت على وشها".

"يحكى أن الرئيس مرسي غسل أسنانه بنفسه، وعندما رآه أفراد طاقم الحراسة تعجبوا من تواضعه، وأعلنوا إسلامهم"، هذه النكتة القصيرة اللاذعة تلخص ما يعاني منه المصريون من محاولة البعض ردهم إلى عصور ماضية، وما يتردد من جهة أخرى عن تواضع الرئيس.

طريقة صناعة النكتة
في الأفلام العربية القديمة كانت هناك مهنة "بائع نكت"، يذهب إليه الممثل ليشتري منه نكاتاً يلقيها في أفلامه ومسرحياته. لكن وسائل صناعة النكتة تغيرت في عصر تويتر، بل يمكن القول إن مواقع التواصل الاجتماعي طورت النكتة السياسية، فلم تعد مقتصرة على السرد، بل دخل عليها الكاريكاتير والصورة والرسم والفيديو والجرافيتي وشخصيات فيس بوك والهاشتاغ، والبرامج الساخرة على يوتيوب.

وفيما تقتصر صناعة النكتة على موقع تويتر في التعليق على حدث أو المشاركة في هاشتاغ للسخرية، تتعدد الوسائل التي يتيحها موقع فيس بوك. مثل نشر الكاريكاتير، والفيديوهات القصيرة، أو اقتباس بعض العبارات الشهيرة من الأفلام أو المسرحيات وتعديلها للتعليق على حدث ما، وأبرز تلك العبارات "رد أنت يا حسين" وهو تعبير شهير لجمال مبارك، أو "والله ما أنا رادد" وهو تعليق شهير للفنان أحمد حلمي، أو عبارة للفنان سعيد صالح في مسرحية العيال كبرت تم تعديلها لتصبح "نهضة دي ولا مش نهضة، يا متعلمين يا بتوع المدارس".

وإذا كانت الشخصيات العربية القديمة الساخرة هي جحا وأشعب، فإن شخصيات فيس بوك هي الشاب الآسيوي "ماو يونج" والمصري أساحبي اللذان لا يتوقفان عن السخرية من كل ما حولهما، لكن الملاحظة الأساسية هنا أنهما يستعيران نكاتهما من تعليقات تويتر، ثم يقومون بالبناء عليها من خلال وضعها مع صورة أو داخل فيديو.

لكن الطريقة الأبرز في التنكيت الآن هي المعروفة باسم "الألش"، وتعتمد على الجناس في بعض الكلمات وقلب المفردة والسخرية من بعض المفردات، بل تعد هذه المفردة هي الهاشتاغ المصري الأشهر على موقع تويتر، ومنها على سبيل المثال، السخرية من عبارة "الحق أبلج والباطل لجلج" التي قالها الرئيس المصري في إحدى خطاباته، فتم تغيير أغنية شهيرة للأطفال لتصبح "ذهب الليل طلع الفجر والعصفور أبلج، شاف القطة قال لها بسبس، قالت له لجلج".

لكن أطرف "اأقلش" كان إعلاناً عن وقفة احتجاجية لمثقفين مصريين، بتحريف أغنية شهيرة لتصبح: "وقفة احتجاجية للمثقفين غداً: بيني وبينك سور ورا سور، وأنا لا جابر ولا عصفور"، في إشارة إلى وزير الثقافة المصري الأسبق جابر عصفور.

النكتة العربية
إذا كانت النكتة السياسية بلا مؤلفين معروفين، فإنها أيضاً بلا جنسية. وقديماً كانت تتسلل عبر الحدود وقد تصل بعد شهور، لكن تويتر أصبح يوصلها الآن في اللحظة نفسها، بل إنها ترتدي الزي الشعبي لكل دولة بعد تغيير أسماء أبطالها.

هذا الترابط بين "نكات" الثورات العربية بدأ بعد نجاح الثورة التونسية وبدء الثورة المصرية، فانتشرت نكات من نوعية "زين العابدين لمبارك: أنا في انتظارك مليت"، و"بن علي يتصل بالإذاعة السعودية ويهدي لمبارك أغنية: مستنياك". وثمة نكتة تداولها مغردون يمنيون تقول "رابطة نجاري عدن يسألون الأسطي صالح: ما نوع الغراء الذي تستخدمه؟". وهذه النكتة تم تداولها في جميع دول الربيع العربي فقط مع تغيير الأسماء، وأصبح بإمكانك أن تقرأ نكتة عن الرئيس السوري بشار الأسد، ثم تقرأ النكتة نفسها عن الرئيس المصري أو التونسي، فالهم العربي واحد في النهاية.

هذا الهم هو الذي تكشفه نكتة تونسية تقول إن أحد المعلمين نعت تلميذه بالغباء بعد أن عجز عن حل مسألة حسابية رغم مرور ساعتين علي ذلك، فأجابه التلميذ :"سيدي، لقد ظل بن علي 23 سنة يحكم تونس ليقول في النهاية "أنا فهمتكم" فلا تعتب علي إذاً". وثمة نكتة سورية تروي أن عناصر أمنية قامت بإيقاف سيارة وجدت مع صاحبها كمبيوتر محمول وبطاقة ذاكرة، فسأل أحدهم سائق السيارة: ما هذا؟، فقال السائق: لابتوب وفلاش ميموري. فسأله عنصر الأمن مجددا: معك فيس بوك؟ فرد الشاب: لا، فسمح له بالمرور".

النكتة الجديدة
استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي إعادة البسمة إلى شفاه العرب مرة أخرى، عندما قامت بتطوير النكتة والمساهمة في نشرها. وربما تبدو الملاحظة الأساسية هنا أنه في حين تراجعت أنواع النكات جميعها، تبقى النكتة السياسية الوحيدة المحافظة على قوتها، بل تزداد قوة يوماً بعد يوم في نقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية، بل يمكن القول إنها أصبحت تحرك الاحداث، وتجعل الحكومات تصرح بنفي أو تأكيد ما تسخر منه شعوبها.

يقول رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي: "من يريد النكتة في العالم العربي فعليه ألا ينظر إلى الكاريكاتير، بل إلى الواقع السياسي العربي"، ويمكن أن نضيف الآن: ثم يبحث عن صدى ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي.
أرسل تعليقك
0 تعليق
الاسم*
 
البريد الإلكتروني
 
عنوان التعليق
 
نص التعليق*
نص التعليق (100 كلمة كحد أقصى)
 
كود التحقق*
من فضلك أدخل الكود الموجود أمامك فى الصورة
 
تغيير الصورة