الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 / 11:57
600 مليار درهم..

أبوظبي تراهن على ريادة سوق الهيدروجين العالمي

يمر قطاع الطاقة النظيفة العالمي اليوم بمنعطف تاريخي حرج، فرضته التحولات الاقتصادية المتلاحقة وضغوط التضخم العالمية.

وتواجه الأسواق الدولية الكبرى في أوروبا وشرق آسيا موجة تصحيحية حادة، دفعت العديد من المطورين والشركات المتعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم جدوى مشاريع الهيدروجين الضخمة، نتيجة لارتفاع تكاليف التمويل وتذبذب سلاسل الإمداد.

وفي خضم هذه "الغربلة" العالمية وتراجع وتيرة الاستثمارات في بعض الأسواق الناشئة، تبرز إمارة أبوظبي كاستثناء استراتيجي وقوة جاذبة للاستقرار الاستثماري، لتثبت قدرتها على تحويل الالتزامات النظرية إلى مشاريع تشغيلية ملموسة على أرض الواقع.

وتستفيد الإمارة من التكامل اللوجستي بين قطاعي النفط والغاز التقليديين والبنية التحتية المتطورة المخصصة للطاقة المتجددة، ما يمنحها القدرة على المنافسة السعرية والتشغيلية في سوق الهيدروجين العالمي الذي يعاد تشكيله الآن بناءً على الكفاءة والقدرة المباشرة على التنفيذ.

تفوق الموارد وتكامل البنية التحتية

يعود التفوق النوعي لأبوظبي في هذا المضمار إلى توافر المقومات الطبيعية والصناعية التي تمنحها ميزة تنافسية من حيث التكلفة الرأسمالية والتشغيلية.

وتأتي في مقدمة هذه المزايا، وفرة الموارد الشمسية ومعدلات الإشعاع فوق الممتازة التي تحظى بها دولة الإمارات طوال العام، ما يتيح توليد الطاقة الكهربائية النظيفة، بأسعار من بين الأقل عالمياً.

ويمثل انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء الشمسية حجر الزاوية في خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر، عبر تقنية التحليل الكهربائي للمياه، وهي العقبة الرئيسية التي تواجه الأسواق الأوروبية التي تعاني من تقلبات الطقس، وارتفاع أسعار الطاقة الأساسية.

إلى جانب المزايا الطبيعية، تمتلك أبوظبي بنية تحتية متكاملة للطاقة تم تطويرها وتحديثها على مدار عقود من خلال الاستثمارات الموجهة من قبل شركات وطنية رائدة مثل "أدنوك" ومجموعة "مصدر". 

وتتضمن هذه البنية شبكات نقل متطورة، وموانئ بحرية مهيأة لتصدير المشتقات النظيفة مثل الأمونيا الزرقاء والخضراء، بالإضافة إلى منشآت صناعية قادرة على استيعاب عمليات الفصل والتحويل والتخزين بكفاءة وأمان.

ويسمح هذا الإرث الصناعي المتطور للإمارة بتحقيق مفهوم "تكامل البنية التحتية"، حيث تتم إعادة استخدام الأصول القائمة لتقليل النفقات الرأسمالية للمشاريع الجديدة، مما ينعكس إيجاباً على الجدوى الاقتصادية النهائية للمستثمرين الدوليين والمحليين على حد سواء.

استثمارات مبرمجة

في وقت تعيد فيه العديد من الأسواق العالمية حساباتها التمويلية، تبرز إمارة أبوظبي  كأكبر المستثمرين والممولين لقطاع الهيدروجين منخفض الكربون عبر استراتيجية مالية مرنة، تقوم على تحويل الالتزامات الدولية إلى تدفقات نقدية مدروسة ومبرمجة على الأرض. 

وتكشف البيانات المالية المجمعة أن البنية التحتية والمشروعات المحلية حظيت بـ 54 مليار دولار (نحو 200 مليار درهم) من الاستثمارات الوطنية المباشرة المخصصة لتطبيقات الهيدروجين الأخضر والأزرق والطاقة النظيفة، مع مستهدفات استراتيجية لرفع هذا الإنفاق إلى 163 مليار دولار (600 مليار درهم) بحلول عام 2050 لضمان الهيمنة على ربع السوق العالمي للاستيراد والتصدير.

وعلى الصعيد الدولي، تتوزع الذراع الاستثمارية للإمارة عبر مسارين هيكليين متكاملين، يمتد المسار الأول من خلال المحفظة العالمية الشاملة لشركة "مصدر" البالغة 50 مليار دولار والمنتشرة في أكثر من 70 دولة. 

أما المسار الثاني والأكثر ضخامة، فيتمثل في الحزمة الاستثمارية البالغة 69 مليار دولار، والتي جرى جدولتها ورصدها رسمياً منذ عام 2022 لبناء مصبات الهيدروجين والأمونيا الخضراء ومحطات توليد الطاقة المغذية لها في قارة أفريقيا.

وتخضع هذه المليارات المرصودة لآلية "التسييل المرحلي" المرتبطة بنسب الإنجاز الفعلي والممتدة حتى نهاية العقد الحالي، مما يحمي الاستثمارات الإماراتية من تقلبات سلاسل التوريد العالمية ويمنحها كفاءة تشغيلية قصوى، إذ تتيح هذه المرونة لشركات الطاقة الكبرى إمكانية إعادة توجيه جزء من طاقات التوليد النظيفة مؤقتاً لخدمة قطاعات بديلة عالية الربحية .

المستهدفات الاستراتيجية 

لا يمكن فهم حجم الطموح الاقتصادي لإمارة أبوظبي دون النظر إلى الأرقام والمستهدفات التي وضعتها الدولة ضمن "الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين". وتتحرك الإمارة بخطى ثابتة نحو تحقيق هدف إنتاج 1.4 مليون طن سنوياً من الهيدروجين منخفض الكربون بحلول عام 2031، وهو ما يمثل الركيزة الأساسية لخطط التوسع الطموحة التي تسعى للوصول بالإنتاج إلى 15 مليون طن سنوياً بحلول عام 2050، مستهدفة الاستحواذ على حصة تبلغ نحو 25% من سوق الهيدروجين العالمي بفضل موقعها الجغرافي الرابط بين الشرق والغرب وعلاقاتها التجارية المتينة مع الشركاء الدوليين.

ولترجمة هذه المستهدفات إلى واقع ملموس، تتدفق الاستثمارات الموجهة نحو مشاريع عملاقة محددة، إذ تقود شركة "مصدر" جهوداً حثيثة لتطوير محطات التحليل الكهربائي بقدرات إنتاجية ضخمة، في حين تعمل شركة "تعزيز" في الرويس على بناء منظومة صناعية متكاملة لإنتاج الأمونيا الزرقاء منخفضة الكربون بطاقة إنتاجية تصل إلى مليون طن سنوياً، وبمشاركة تحالفات استراتيجية مع شركات يابانية وكورية وعالمية تضمن أسواقاً تصديرية مستقبلية مؤمنة بعقود طويلة الأجل. 

وإلى جانب ذلك، يبرز مشروع الأمونيا الخضراء التابع لشركة "هيليوس إندستري" بمدينة خليفة الصناعية (كيزاد) في أبوظبي بتكلفة استثمارية مخصصة تبلغ مليار دولار (3.67 مليار درهم)، مما يعكس التنوع الإنتاجي بين المسارين الأزرق والأخضر. 

كما تتوقع إمارة أبوظبي تحقيق عوائد تصديرية واستثمارية قريبة الأجل تتراوح بين 4.5 إلى 5 مليارات درهم بحلول عام 2029 ناتجة عن تصدير معدات الهيدروجين الأخضر، وأنظمة المزج، ومكونات الموانئ الذكية.

وتعكس هذه الأرقام بوضوح الفارق بين الدول التي تضع خططاً مناخية عامة، وبين أبوظبي التي تدعم تطلعاتها بتخصيص رؤوس أموال ضخمة وشراكات تجارية ملزمة وعابرة للقارات.

التنويع الاقتصادي

تتجاوز رؤية أبوظبي لقطاع الهيدروجين مجرد الرغبة في ريادة أسواق الطاقة الجديدة، فهي تمثل أداة رئيسية لتنويع هيكل الناتج المحلي الإجمالي وحماية الاقتصاد الوطني من تقلبات أسواق النفط والغاز التقليدية في المدى الطويل.

ويمثل تطوير هذا القطاع محركاً تنموياً يساهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة إلى السوق المحلي، وخلق فرص عمل نوعية في مجالات الهندسة والابتكار والتحليل الذكي للأعمال، وهو ما يتماشى بشكل كامل مع مستهدفات "رؤية أبوظبي الاقتصادية".