الأحد 13 سبتمبر 2026 / 16:27
في مشهد مالي عالمي واجه تقلبات حادة وعواصف جيوسياسية مختلفة، نجح جهاز أبوظبي للاستثمار في تقديم نموذج متقدم للإدارة الديناميكية للمحافظ السيادية.
وجاء تقرير الجهاز السنوي لعام 2025 ليكشف ليس فقط عن أرقام أداء قوية وعوائد متنامية طويلة الأجل، بل عن ثورة صامتة في هندسة توزيع الأصول وتوطين التكنولوجيا الكمية والذكاء الاصطناعي، كأدوات أساسية لإدارة رأس المال وتدويره بسرعة مرنة.
وتثبت هذه النتائج قدرة عملاق الاستثمار، الذي تقدر مؤسسة "غلوبال إس دبليو إف" أصوله بنحو 1.13 تريليون دولار، على اقتناص الفرص البديلة، وبناء جدار صد صلب ضد تقلبات الأسواق العامة.
الاستفادة من تحول السياسات النقدية
حقق الجهاز قفزة ملموسة في مؤشراته التراكمية حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إذ ارتفع معدل العائد السنوي المحقق على مدى 20 عاماً إلى 6.6%، مقارنة بنحو 6.3% في 2024، في حين صعد معدل العائد السنوي على مدى 30 عاماً إلى 7.2%، مقارنة بنحو 7.1% في العام السابق.
وتشير الارتفاعات المتتالية إلى نجاح الجهاز في استيعاب فترات الركود السابقة والاستفادة القصوى من تحول السياسات النقدية العالمية نحو التيسير واعتدال التضخم خلال 2025، مما سمح بامتداد الأداء الإيجابي إلى ما وراء أسهم التكنولوجيا التقليدية ليشمل قطاعات وجغرافيات أوسع نطاقاً.
وكانت السمة الأبرز لتقرير 2025، الذي صدر قبل يومين، قد تمثلت في التغيير الهيكلي لنطاقات تخصيص الأصول المستهدفة، حيث تحرك الجهاز بجرأة لرفع مستهدفات الأسهم الخاصة والاستثمارات البديلة، في مقابل تقليص النطاق الموجه للقطاع العقاري.
نتاج طبيعي للنمو المتسارع لقيم الأصول
ووفقاً للأرقام الرسمية المعلنة، ارتفع نطاق تخصيص الاستثمارات البديلة من مستواه السابق البالغ بين 5 و10% ليصبح بين 7 و12%، وصعد نطاق تخصيص الأسهم الخاصة من مستواه السابق البالغ بين 12 و17% ليصبح بين 15 و20%، في حين تراجع النطاق المستهدف لقطاع العقارات من مستواه السابق البالغ بين 5 و10% ليصبح بين 2 و7%.
ولا يعكس التراجع في نطاق العقارات بأي حال هروباً من القطاع، بل هو نتاج طبيعي للنمو المتسارع لقيم الأصول الأخرى في المحفظة الإجمالية، حيث يظل الانكشاف الفعلي المستقر على العقارات ركيزة أساسية لتقديم عوائد جذابة معدلة بحسب المخاطر.
ولم يعد الاعتماد على التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة في جهاز أبوظبي للاستثمار، بل بات عقيدة استثمارية موجهة لدوائر القرار، إذ يبرز التقرير توجهاً نحو الاستراتيجيات المنهجية والكمية التي تتسم بسرعات دوران عالية لرأس المال.
دمج التكنولوجيا الكمية واستراتيجيات الائتمان
وفي هذا السياق، واصلت دائرة الأسهم زيادة مخصصاتها لمديري الاستراتيجيات المنهجية، مع توسيع قائمة مديريها في الصين وتنويع العوائد عبر الاستراتيجيات المحايدة للسوق، في حين عجلت دائرة السندات من دمج التكنولوجيا الكمية واستراتيجيات الائتمان، وطورت منصات أبحاث متطورة مدعومة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع تحقيق دائرة الاستثمارات البديلة عوائد قوية بارتباط محدود للغاية بتحركات أسواق الأسهم العامة، وتوسيع منصة الحسابات المدارة لتعزيز المرونة التشغيلية.
وعلى صعيد التقييمات الخارجية، يحظى الجهاز بمكانة رفيعة وثابتة لدى أقطاب المال ومؤسسات التقييم الدولية، التي تنظر إليه كصمام أمان مالي فائق القوة.
وفي أحدث تقاريرها، أكدت وكالات التصنيف العالمية مثل "ستاندرد آند بورز" و"فيتش" التصنيف الائتماني السيادي المرتفع لأبوظبي عند AA، مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وأشارت هذه الوكالات صراحة إلى أن الأصول الضخمة التي يديرها جهاز أبوظبي للاستثمار تمثل الركيزة الأساسية والمتينة لميزانية الإمارة الخارجية، وتدعم مرونتها في مواجهة صدمات أسعار النفط أو التوترات الإقليمية.
كما وضعت مؤسسة "براند فاينانس" في تصنيفها السنوي لعام 2025 جهاز أبوظبي للاستثمار كالعلامة التجارية الأقوى بين الصناديق السيادية عالمياً، نتيجة الوضوح العالي في الأهداف والاستراتيجية الاستثمارية الجذابة.
كيان استثماري نشط وقائم على البيانات
وتؤكد تقارير المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية، التزام الجهاز الكامل بمبادئ سانتياغو للحوكمة الرشيدة وإعداد قوائمه المالية، وفقاً للمعايير الدولية للتقارير المالية، ما يمنحه ترحيباً واسعاً في الأسواق الغربية المتقدمة، ولا سيما في أمريكا الشمالية التي تستقطب الحصة الأكبر من استثمارات الجهاز بنسبة تتراوح بين 45 و60%.
ويثبت الأداء المالي والتشغيلي لجهاز أبوظبي للاستثمار في 2025، أن صناديق الثروة السيادية لم تعد مجرد حصالات مدخرات ساكنة تنتظر عوائد السندات والأسهم القيادية التقليدية، بل تحول الجهاز إلى كيان استثماري نشط وقائم على البيانات، يمتلك المرونة الكافية لإعادة توزيع المليارات بين فئات الأصول في غضون أيام قليلة.
ومع الدخول في 2026 وما بعده، يبدو أن استراتيجية الجهاز المتمثلة في زيادة وزن الأصول الخاصة واستكشاف الائتمان الخاص وشراكات الذكاء الاصطناعي ستكون بمثابة حائط الصد الأساسي لمواجهة تقلبات السياسة الجمركية العالمية وضمان استدامة نمو ثروة الأجيال القادمة.