البنك المركزي الصين (أ ف ب)
الإثنين 19 أكتوبر 2026 / 20:39
تواصل الصين تسجيل أرقام صادرات قياسية تعزز نموها الاقتصادي الخارجي، غير أن هذه الطفرة التصديرية باتت تُخفي وراءها تعثراً داخلياً متزايداً؛ حيث يتعرض المستهلك الصيني والقطاع الخاص في البلاد للتأثير السلبي نتيجة ركود عقاري طال أمده، وضغوط معيشية دفعت الأسر إلى سياسات تقشفية غير مسبوقة.
واقع محلي متراجع
وأظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة أن الناتج المحلي الإجمالي للصين نما 4.5% في الربع الثالث من العام الحالي، مدفوعاً بشكل أساسي بالقفزة الكبيرة في حجم الصادرات التي ارتفعت 36% في سبتمبر(أيلول) الماضي.
ورغم أن هذه الأرقام تُبقي بكين على مسار تحقيق هدف النمو السنوي المستهدف بين 4.5% و5%، إلا أن المحرك الفعلي لهذا النمو يأتي شبه كلي من الأسواق الخارجية عبر تجارة السيارات الكهربائية والمعدات الصناعية، ما يضع البلاد على مسار تجاوز فائضها التجاري القياسي البالغ 1.2 تريليون دولار، في حين يواجه المحرك المحلي للاقتصاد شللاً حقيقياً، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وفي الوقت الذي تسجل فيه بكين قفزات نوعية في قطاعات التقنية المتقدمة كالذكاء الاصطناعي والروبوتات، يكشف الواقع المعيشي عن صورة مختلفة؛ إذ انخفض الاستثمار في الأصول الثابتة الذي يرصد الإنفاق على العقارات والمصانع والطرق بنسبة 7.2% خلال الفصول الثلاثة الأولى من العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وكان التراجع الأكبر من نصيب الاستثمار العقاري الذي هوى 21%.
ضغوط سوق العمل
وانعكس الركود العقاري وشح الوظائف الثابتة مباشرة على سلوك المستهلكين. ولم تعد مظاهر التقشف تقتصر على الفئات محدودة الدخل، بل امتدت لتشمل الطبقة المتوسطة والكوادر المتميزة.
وتُبرز حكايات الشارع الصيني هذا التحول؛ إذ تضطر قطاعات كاملة من أصحاب الأعمال الصغيرة والشركات الناشئة ووكالات التوظيف إلى الإغلاق نتيجة انحسار الطلب وتراجع إنفاق الشركات الكبرى.
وبات حاملو المؤهلات العالية والمهندسون الذين تعرضوا للتسريح من شركات التقنية يلجأون إلى العمل في منصات التوصيل والخدمات الأخرى كحلول بديلة.
وتشير تقديرات مراكز البحث إلى أن حجم "العمالة المرنة" أو غير المنتظمة في الصين يتجه للوصول إلى 320 مليون شخص خلال العام الجاري، ليشكل أكثر من 40% من إجمالي القوة العاملة في المدن الكبرى.
وهذا التحول القسري ونقص الأمان الوظيفي أديا إلى تراجع مبيعات التجزئة بشكل ملحوظ؛ حيث اكتفى نموها 1.1% في سبتمبر(أيلول)، مقارنة مع 3% قبل عام واحد.
وأصبح خفض النفقات اليومية، وتجنب شراء السلع غير الضرورية، والتحول نحو المنتجات المحلية الأقل تكلفة، والتردد على الأسواق الشعبيّة؛ هو النمط السائد في سلوك الأسر الصينية حمايةً لمقدراتها المادية.
غياب الإصلاح الهيكلي
تدرك السلطات في بكين حجم الفجوة بين الأداء الخارجي والطلب المحلي، وقد طرحت بالفعل بعض حزم التحفيز، مثل دعم القروض العقارية وتدشين برامج لإعانة المستهلكين على استبدال الأجهزة الكهربائية القديمة بخصومات تتراوح حول 15%. غير أن هذه المبادرات الحكومية لم تُحدث الأثر المرجو على المدى الطويل؛ إذ يرى الخبراء أن حوافز الشراء لا تنجح في إنعاش الأسواق عندما تكون الأسر قد أتمت المشتريات الأساسية أو عندما تفضل الادخار والتحوط على الإنفاق والتوسع.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن الاستمرار في الاعتماد على التصدير كمحرك رئيسي للنمو بات يخلق حلقة مفرغة؛ فهو يُصعّد من التوترات التجارية والجمارك التنافسية مع الشركاء الدوليين في أوروبا وأمريكا من جهة، ولا يعالج الجذر الحقيقي للأزمة المحلية المتمثل في ضعف القوة الشرائية وتراجع الأجور من جهة أخرى.
وأشار التقرير إلى أن التحدي الآن أمام الصين يتمثل في إعادة بناء ثقة المستهلك المحلي. وإن الطفرات التصديرية والأرقام والمؤشرات الإيجابية الخارجية لن تكون كافية لاستدامة النمو، ما لم تقترن بإصلاحات هيكلية عميقة تستهدف خلق فرص عمل دائمة، ورفع مستويات الدخل، وإصلاح القطاع العقاري، لضمان استعادة الشارع الصيني قدرته على الإنفاق والعيش بأمان اقتصادي.