الإثنين 11 مايو 2026 / 04:29

رغم توفر درع التريليون درهم.. لماذا استغنت بنوك الإمارات عن "حزم الدعم" الاستباقية؟

لم تتجاوز قيمة التسهيلات المستفيدة من "حزمة الدعم الاستباقية" التي أطلقها مصرف الإمارات المركزي في مارس (أذار) الماضي 6.2 مليار درهم حتى 8 مايو (أيار) الجاري.

ورغم تواضع قيمة التسهيلات مقارنة بأصول القطاع المصرفي البالغة 5.4 تريليون درهم، إلا أن هذا الرقم لا يشير إلى ضعف التفاعل مع مبادرة "المركزي"، بل يعتبره الخبراء في الشؤون المالية والاقتصادية شهادة عملية على صلابة البنوك الإماراتية وقدرتها على ضبط سيولتها ومخاطرها ذاتياً، دون الاعتماد على الدعم الخارجي.

وبحسب الخبراء، فقد كان من المتوقع في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بسبب حرب إيران، أن تندفع البنوك نحو خطوط السيولة الطارئة، لكن ما حدث كان العكس.

وأكدوا في تصريحات لـ24، أن تراجع الحاجة الفعلية للجهاز المصرفي للدعم برهن على كفاءة المؤسسات المالية الوطنية وامتلاكها فائض ملاءة سيولة جعلها في غنى عن اللجوء المكثف لحُزم الإنقاذ.

"المركزي": تأجيل قروض وإعفاءات ضمن حزمة دعم تشمل 65 ألف مستفيد - موقع 24أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، اليوم الجمعة، أبرز نتائج مخرجات حزمة الدعم الاستباقية الشاملة لتعزيز مرونة المؤسسات المالية.

صناعة مستقبل مستدام

ويجمع الخبراء على أن الإمارات كرست عبر حزمة الدعم الاستباقي ريادتها في تبني عقيدة نقدية تتجاوز "إدارة الأزمات" التقليدية نحو "صناعة الاستقرار" المستدام.
وكانت مبادرة المصرف المركزي، ارتكزت على خمسة محاور رئيسية: تعزيز الوصول إلى السيولة عبر تخفيف متطلبات الاحتياطي الالزامي وتوفير تسهيلات بالدرهم والدولار، خفض مؤقت لمتطلبات السيولة والتمويل ومصدات رأس المال، منح مرونة في إدارة مخاطر الائتمان عبر تأجيل تصنيف مديونيات العملاء المتأثرين، والتأكيد على استمرار تدفق التمويل للقطاعات الإنتاجية.

وجرى دعم المبادرة بأصول تتجاوز تريليون درهم، واحتياطيات نقد أجنبي قياسية تغطي القاعدة النقدية بنسبة 119%.

وقال الخبير المالي عبد الله الحوسني إن الحزمة التي استهدفت أكثر من 65 ألف مستفيد ضخت الطمأنينة في عروق الاقتصاد الكلي دون استنزاف المال العام. 
وأشار في تصريح خاص لـ24، إلى أن انخفاض حجم المستفيدين الفعلي من حزمة الدعم الاستباقي إلى 6.2 مليار درهم مقابل أصول دعم متاحة تتجاوز التريليون يمثل شهادة جدارة للقطاع.
وأكد أن البنوك الإماراتية امتلكت من الملاءة ما جعلها لا تحتاج لمساعدة من حزمة الدعم إلا في أضيق الحدود.

حزم ومبادرات اقتصادية استباقية.. كيف تعاملت الإمارات مبكراً مع الظروف الراهنة؟ - موقع 24في وقت تتصاعد فيه حدة التوترات الإقليمية، لم تنتظر الإمارات تراكم التداعيات الاقتصادية لتتحرك، بل بادرت باستباقية لافتة إلى إطلاق حزمة متكاملة من المبادرات والتسهيلات التي تحمي الأفراد والشركات وسلاسل الإمداد في آنٍ واحد، مؤكدة أن نموذجها التنموي الراسخ يجعلها أقوى في مواجهة أي ظرف استثنائي.

الملاءة المالية للبنوك

وفي سياق الحديث عن الملاءة المالية الكبيرة للبنوك الإماراتية، تظهر القراءة التحليلية لمؤشرات الأداء خلال الشهرين الماضيين نمواً متصاعداً في كافة المؤشرات الجهاز المصرفي، حيث ارتفعت الأصول المصرفية بنسبة 2.1%، مما دفع بإجمالي حجم القطاع إلى تخطي حاجز الـ5.4 تريليون درهم. 
 وجاء هذا النمو مدعوماً بنسبة كفاية رأس مال تبلغ 17%، الأمر الذي وضع المصارف الإماراتية في طليعة المؤسسات المالية الأكثر أماناً على مستوى العالم بشهادة مؤسسات دولية . 
كما جاء هذا النمو متزامناً مع تأكيد "المركزي" في اجتماعات الربيع بواشنطن أن امتلاك احتياطيات أجنبية تتجاوز التريليون درهم يخلق درعاً حصيناً ضد التقلبات المفاجئة.

البنوك تثبت متانتها

من جانبه، يرى الخبير في الشؤون المالية والاقتصادية رامي خريسات، أن النموذج الإماراتي قلب المعادلة التقليدية، فالممارسات السائدة في المنطقة تنتظر وقوع أزمة سيولة لتضخ أموالاً طارئة،فيما النموذج الإماراتي يعتمد التحصين المبكر. 
وأوضح خرسيات في تصريح لـ24 أن وصول الدعم إلى 6.2 مليار درهم فقط رغم وجود احتياطيات تريليونية يعني أن المركزي نجح في بناء "جدار حماية" منع وصول الضغوط إلى قلب النظام المصرفي، فكان التدخل الفعلي محدوداً ومركزاً.
وأشار خريسات إلى فارق جوهري آخريتمثل في أن النموذج التقليدي يضخ سيولة نقدية مباشرة قد ترفع التضخم في وقت الأزمات، لكن الإمارات استخدمت هندسة الأدوات النقدية وركزت على خفض الاحتياطي الإلزامي وتحرير مصدات رأس المال. 
وسمح هذا الإجراء بحسب الخبير المالي والاقتصادي خريسات، للبنوك باستخدام أموالها الخاصة بمرونة أكبر، وهي إدارة ذكية للموارد لا تثقل كاهل الميزانية العامة".
 ومنح هذا النهج الاستباقي، بحسب وكالات عالمية مثل موديز وفيتش، البنوك الإماراتية ميزة تنافسية في جذب الاستثمار الأجنبي.

الإمارات خلال الاعتداءات الإيرانية.. إدارة متعددة المستويات من الحزم الدفاعي إلى الجاهزية الشاملة - موقع 24تشكل الأزمات على مر التاريخ محطة مهمة لقياس جاهزية الدول، وحجم ما استثمرته في بناء وتطوير منظوماتها على مختلف الصعد. ولا شك أن الأزمة التي مرت بها المنطقة نتيجة التصعيد الإقليمي، وما نتج عنها من اعتداءات إيرانية على دولة الإمارات ودول الخليج، كشفت بشهادات دولية ومؤشرات ميدانية مستوى الجاهزية الذي ...

ملاذ آمن

وبينما كانت أسواق إقليمية تعاني من تذبذب الثقة عند الأزمات، فقد جعلت السياسات الإماراتية من مصارف الدولة ملاذاً آمناً، وهو ما يفسر التدفق الهائل لصناديق التحوط العالمية إلى دبي وأبوظبي خلال 2026.

وكان تميز التجربة الإماراتية أكتملت بدمج حُزم الدعم مع "مشروع الدرهم الرقمي". فبدلاً من الفصل التقليدي بين دعم السيولة وتطوير البنية التحتية، جعلت الإمارات من الدعم وسيلة لتسريع الانتقال نحو اقتصاد لا نقدي، ما قلل تكلفة الوساطة المالية وزاد سرعة دوران رأس المال.
ويتضح مما سبق أن القوة لم تعد تُقاس بحجم المليارات المضخوخة، بل بقدرة النظام على حماية نفسه ذاتياً. فالنموذج التقليدي يدير الأزمات بعد وقوعها، فيما النموذج الإماراتي يدير المرونة قبل أن تتحول المخاطر إلى أزمة. و6.2 مليار درهم كانت كافية لتقول الكثير: جهاز مصرفي متين، وسياسة نقدية لا تنتظر الخطر بل تحصّن ضده.