نيكولا حايك منقذ صناعة الساعات السويسرية
الأحد 7 يونيو 2026 / 16:36
اتخذ نيكولا جورج حايك، المستشار الصناعي اللبناني الأصل، قراراً مغايراً لما كلفته به المصارف السويسرية حول تصفية شركتين متعثرتين وتيسير بيعهما للمنافسين اليابانيين؛ محولاً خطة التصفية إلى عملية إنقاذ تاريخية أصبحت نموذجاً يدرس في كبرى مدارس إدارة الأعمال حول العالم.
من بيروت إلى زيورخ.. نشأة قادت إمبراطورية الساعات
ولد نيكولا حايك عام 1928 في بيروت وتلقى تعليمه بها، ثم درس الرياضيات والفيزياء والكيمياء بجامعة ليون الفرنسية. انتقل إلى سويسرا عام 1951 إثر زواجه من السويسرية ماريان ميزغر، حيث أدار مصنع عائلتها المتعثر مؤقتاً، مكتسباً خبرةً مبكرةً في معالجة الأزمات الصناعية.
أسس حايك عام 1963 في زيورخ شركة "هايك إنجينيرينغ" للاستشارات، وبنى سريعاً سمعةً دوليةً في إعادة هيكلة الشركات وتطوير الإنتاج. دفعت هذه النجاحات المصارف والمؤسسات السويسرية الكبرى للاستعانة به مستشاراً استراتيجياً أول في أوروبا عند وقوع الأزمات الهيكلية المعقدة.

أزمة خانقة وقرار جريء
واجهت صناعة الساعات السويسرية مطلع الثمانينيات تهديداً وجودياً؛ إذ اجتاحت ساعات الكوارتز اليابانية من "سيكو" (Seiko) و"كاسيو" (Casio) الأسواق بدقة عالية وأسعار منخفضة بحسب "فوربس". غرقت شركتا "ASUAG" و"SSIH" السويسريتان في الخسائر والشركات الآسيوية تتربص للاستحواذ على علامات تاريخية مثل "أوميغا" (Omega)، "لونجين" (Longines)، و"تيسو" (Tissot).
استعانت المصارف بحايك لتقديم خطة تسييل وتصفية لهذه الأصول، غير أنه تجاهل مهمته تماماً واقترح دمج الشركتين بكيان واحد أطلق عليه "SMH". دمج حايك خطوط الإنتاج والمختبرات، ثم استثمر أمواله الخاصة مستحوذاً على حصة الأغلبية ليتولى القيادة التنفيذية ويبدأ مرحلة الهجوم المعاكس، وفقاً لـ "فوربس".

ساعة بـ35 دولاراً تُنقذ تكتلاً صناعياً وتدخل دور المزاد
شهد الأول من مارس (آذار) 1983 إطلاق الخطوة الأكثر جرأةً بحياة حايك عبر تقديم علامة "سواتش" (Swatch) بزيورخ. طرحت الشركة ساعةً بلاستيكيةً ملونةً بـ35 دولاراً ومكونةً من 51 قطعةً فقط بدلاً من المئات، مما جعلها بمتناول الجميع بعدما كانت الساعات السويسرية مرادفاً للترف والنخبوية.
أدرك حايك مبكراً تحول الساعة مستقبلاً لأداة موضة تعبر عن الهوية والشخصية وليست لمجرد معرفة الوقت. تعاونت العلامة مع فنانين كبار مثل "كيث هارينغ" (Keith Haring) و"يوكو أونو" (Yoko Ono)، وبيعت ساعة صممها "كيكي بيكاسو" بـ28000 دولار بمزاد كريستيز عام 1992، وتخطت المبيعات 100 مليون ساعة بالتسعينيات موفرةً سيولةً ضخمةً للمجموعة.

إعادة إحياء الأمجاد الميكانيكية الفاخرة
أعاد الرجل الذي أنقذ تكتل الكوارتز تلميع الساعات الميكانيكية الفاخرة الممثلة لتاريخ سويسرا؛ ونهضت بقيادته علامات "أوميغا" و"بريغيه" (Breguet) و"بلانبان" (Blancpain)، مستعيدةً بريقها التاريخي المرتبط بالإنجازات الكبرى؛ كساعة "أوميغا سيماستر" التي ارتداها الغواص جاك مايول عام 1981 محققاً عمق 101 متر بشهيق واحد، مع انخفاض ضربات قلبه من 60 إلى 27 ضربةً.
غير حايك اسم الكيان عام 1998 إلى "The Swatch Group"، متحدياً اعتراضات دور الفخامة الرافضة للارتباط بساعة بلاستيكية، تكريماً للفكرة المنقذة للصناعة، كما وسع أعماله لتشمل هواتف "سواتش" وسيارات "Smart" مع "دايملر-بنز"، وحمل الشعلة الأولمبية بأتلانتا 1996.

إرث عائلي ممتد يقود استراتيجيات الاستدامة
رحل نيكولا حايك في 28 يونيو (حزيران) 2010 إثر نوبة قلبية بمقر المجموعة في "بيل/بيين" عن 82 عاماً، وبثروة بلغت 3.9 مليار دولار، فيما انتقلت القيادة بسلاسة لعائلته؛ إذ ترأس ابنته نايلة مجلس الإدارة وتدير توسعات الشرق الأوسط مثل "مجموعة ريفولي" بدبي.
ويشغل نجله منصب الرئيس التنفيذي منذ 2003 بعد مسيرة انطلقت عام 1992 عقب تركه الإنتاج السينمائي بباريس، وانضم الحفيد مارك ألكسندر لمجلس الإدارة عام 2024 لإدارته الناجحة لعلامات فاخرة مثل "بلانبان" وفقاً لـ"swatchgroup".
وتركز العائلة اليوم على الابتكار بمجال الطاقة النظيفة عبر شركة "بيلينوس"، مستلهمةً روح المؤسس المتجلية بنجاحات كبرى مثل سلسلة "مون سواتش" مع "أوميغا".