السبت 30 مايو 2026 / 00:24
نجحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في إحداث ثورة غير مسبوقة داخل أروقة المكتبات والأرشيفات التاريخية حول العالم، بعدما تمكنت من فك رموز مخطوطات تاريخية غامضة ظلت مستعصية على العلماء لقرون طويلة، مسجلةً بذلك انتصاراً جديداً يعيد صياغة فصول مفقودة من التاريخ البشري.
وفي عمق مكتبة الفاتيكان، كانت ترقد مخطوطة غامضة تُعرف باسم "مخطوطة بورغ" (Borg cipher)، وهي كتاب مؤلف من 408 صفحات مكتوبة بخط اليد ومليئة بـ 34 رمزاً غريباً، إلى جانب بعض الحروف اللاتينية وصفحة غلاف باللغة العربية.
وظلّ هذا الكتاب غير مقروء لأكثر من 400 عام، وسط تكهنات تشير إلى أنه يحتوي على وصفات علاجية سرية للأمراض البشرية، أُخفيت آنذاك خوفاً من ملاحقات الكنيسة وتهم السحر والشعوذة.
من التعقيد إلى الحل في دقائق
أثمر التعاون بين خبراء اللغويات الحاسوبية وتقنيات الذكاء الاصطناعي عن فك شفرة المخطوطة بالكامل، ليكتشف العلماء أنها تحتوي بالفعل على آلاف العلاجات الغريبة السائدة في العصور الوسطى، مثل استخدام النبيذ الأحمر عالي الجودة بكميات محددة، أو تخمير جوزة الطيب في العجين لمكافحة مرض الدوسنتاريا.
من جانبها، قالت البروفيسورة بياتا ميسيسي، أستاذة اللغويات الحاسوبية بجامعة ستوكهولم السويدية والمشاركة في المشروع: "الأمر يشبه العمل البوليسي، حيث يقربنا كل رمز ونمط متبعيْن خطوة إضافية من أسرار شخص ما، ومن عالم تاريخي مفقود".
وعلى الرغم من أن فك هذه الشفرات كان يتطلب سابقاً أشهراً من المحاولات اليدوية المضنية عبر نظام "المحاولة والخطأ" لتفريغ النصوص وتفسيرها، إلا أن الأداة الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي نجحت في ترجمة وفك شفرة نص يحتوي على 500 رمز من مخطوطة "بورغ" في أقل من 30 دقيقة فقط، مع تقديم ترجمة فورية وشرح للمنهجية المتبعة لإثبات دقة النتائج وعدم حدوث هلوسة رقمية.

خارطة طريق لفك ألغاز التاريخ
تشير التقديرات إلى أن نحو 1% من المواد الأرشيفية والمكتبية حول العالم مشفرة بالكامل أو جزئياً، وهي تضم أسراراً سياسية، وطقوساً لجمعيات سرية، ورسائل حب، ومعلومات دبلوماسية خطيرة من شأنها تغيير مجرى التاريخ.
ومن أبرز التحديات التي واجهت الباحثين عبر التاريخ:
- الخطوط السيئة وباهتة الحبر: تستغرق وقتاً طويلاً لتحويلها رقمياً.
- الرموز التمويهية: إدخال رموز لا معنى لها لإرباك المتلصصين.
- تعدد الرموز للحرف الواحد: مثل استخدام 8 رموز مختلفة لتمثيل حرف واحد في بعض المخطوطات الألمانية القديمة.

مشروع "Descrypt" والمستقبل
يعمل مشروع أوروبي متعدد الجنسيات يحمل اسم "Descrypt" حالياً على تطوير أنظمة أكثر تطوراً قادرة على قراءة الرموز النادرة وغير التقليدية وتحويلها مباشرة إلى نصوص مفهومة، مع دمج تقنيات التعرف البصري والنماذج اللغوية الحديثة.
ويهدف المشروع إلى تطوير أداة ذكاء اصطناعي تفاعلي (مثل ChatGPT) تدمج بين عمليتي نسخ الخطوط وفك التشفير في خطوة واحدة مباشرة من خلال تحليل صور الوثائق فقط، دون الحاجة للتدخل البشري المعقد.
ولا تقتصر الآمال المعقودة على هذه التقنية على حل مراسلات العصور الوسطى فحسب، بل تمتد لتشمل قراءة النصوص القديمة التي لا يستطيع أحد قراءتها اليوم، مثل "قرص فايستوس" الذي يعود لـ 4000 عام في جزيرة كريت، واللغة اليونانية القديمة المبكرة المعروفة باسم "الخطية أ" (Linear A)، مما يفتح آفاقاً مثيرة لاكتشاف ماضي البشرية المفقود.