الإثنين 8 يونيو 2026 / 15:58
تعيش صناديق الاستثمار النشطة في آسيا مفارقة لافتة؛ فبينما حققت مكاسب قوية مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي، تجد نفسها مضطرة إلى بيع أفضل الأسهم أداءً بسبب تنامي مخاطر تركز الاستثمارات في عدد محدود من الشركات العملاقة.
وقال مدير استثمارات الأسهم الآسيوية المدرة للدخل في شركة "جوبيتر لإدارة الأصول" سام كونراد، إن أداء محفظته كان استثنائياً هذا العام بفضل الارتفاعات الكبيرة في أسهم شركات التكنولوجيا في تايوان وكوريا الجنوبية، إلا أن الوزن المتزايد لهذه الشركات أجبره على تقليص حيازاته من أسهم شركات الرقائق الكبرى، في تقرير لوكالة الأنباء العالمية "رويترز".
3 شركات آسيوية
وأضاف: "اضطررنا إلى بيع أسهم "تي.إس.إم.سي" و "سامسونغ" و "ميدياتك"، مشيراً إلى أن هذه الشركات سجلت مكاسب بلغت 52% و159% و184% على التوالي منذ بداية العام.
وباتت 3 شركات تكنولوجية آسيوية فقط، هي "تي.أس.أم.سي" وأس كيه. هاينكس" و "سامسزنغ إلكترونيك" تمثل ما يقرب من ثلث مؤشر "إم.إس.سي آي آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان"، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تركز المخاطر في المحافظ الاستثمارية.
وتعكس هذه الظاهرة اتجاهاً سبق أن شهدته الأسواق الأمريكية، حيث باتت أسهم مجموعة "العظماء السبعة" التكنولوجية تمثل نحو ثلث مؤشر S&P 500، ما دفع المستثمرين إلى التحول من الصناديق النشطة إلى الصناديق السلبية التي تتبع المؤشرات.
غير أن حدة التركز في آسيا تبدو أكبر وأكثر سرعة. ووفقاً لتحليل أجرته مؤسسة "بي.أن.بي بيرباس" لبيانات "إي.بي.إف.آر"، شهدت الصناديق النشطة في آسيا تدفقات خارجة تراكمية بلغت 269 مليار دولار خلال السنوات الـ5 الماضية، مقابل تدفقات داخلة بقيمة 510 مليارات دولار إلى الصناديق السلبية، جاء ربعها خلال الأشهر الستة الأخيرة فقط، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء العالمية "رويترز".
وقال رئيس أبحاث الأسهم النقدية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في "بي.إن.بي باريبا" للأوراق المالية ويليام براتون، إن حجم التدفقات الأخيرة إلى الصناديق السلبية في المنطقة "غير مسبوق خلال العقد الماضي".
مخاطر التدفقات
وفي مواجهة هذه المخاطر، اتجه مديرو الصناديق إلى البحث عن فرص استثمارية أبعد في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، من خلال شراء أسهم شركات أصغر حجماً بدلاً من التركيز على الشركات العملاقة.
وأوضح مدير الاستثمارات الأول للأسهم الآسيوية في "أبيردين إنفستمنت" أنه أضاف مؤخراً أسهماً في شركتي "شركة جراند بروسيس للتكنولوجيا" و "أيه.أس.أم.بي.تي" وهما من الموردين متوسطي الحجم لشركات صناعة الرقائق.
ورغم ذلك، لا يزال كثير من المستثمرين يفضلون الاحتفاظ بانكشاف مرتفع على أسهم التكنولوجيا الكبرى. ويخصص صندوق كونراد نحو نصف أصوله لتايوان وكوريا الجنوبية، ويضم استثمارات في "إس.كيه.هاينكس"، بينما تمثل "ميدياتك" أكبر مركز استثماري لديه.
وقال كونراد: "صناديقنا تختلف كثيراً عن المؤشر المرجعي وعن منافسينا، ونعتقد أن هذا النهج ساعدنا على تحقيق أداء متفوق".
وتشير بيانات السوق في تحليل كمي لصحيفة "إكينوميك تايمز" أن المخاطر الناتجة عن تركز الاستثمارات أصبحت أكثر وضوحاً مما كانت عليه في عام 2020 عندما كانت شركات "علي بابا" و "بايدوا"و "تينيسنت" تمثل مجتمعة نحو 37% من مؤشر "إم.إس.سي.آي الصين".
إعادة التوزان
كما أدت عمليات إعادة التوازن في المحافظ الأجنبية إلى تسجيل تدفقات خارجة قياسية من الأسهم الكورية الجنوبية بلغت 27.9 مليار دولار خلال مايو (أيار) في حين رصدت مؤسسة "نومورا" تدفقات داخلة قياسية بقيمة 20.4 مليار دولار من الصناديق الأمريكية إلى أسواق كوريا الجنوبية وتايوان منذ بداية العام.
وقالت استراتيجية الاستثمار الكمي لآسيا في "بيرنستين" روبال أغاروال، إن "الارتفاع المتواصل منذ أبريل (نيسان) زاد من مخاطر التركز في الأسهم الآسيوية إلى مستويات لم نشهدها من قبل".
وتتجلى هذه المخاطر أيضاً في مؤشرات الأسواق نفسها، إذ تشكل أسهم "تي.إس.إم.سي" نحو 41.5% من وزن مؤشر تايوان الرئيسي، بينما تمثل أسهم "سامسونغ" و "إس.كيه هاينكس" معاً نحو 55% من مؤشر "كوسبي" الكوري الجنوبي، ما يجعل أداء هذه المؤشرات مرتبطاً بشكل كبير بحركة سهم أو سهمين فقط.
رغم قفزات "كوسبي".. لماذا يتخارج المستثمرون الأجانب من كوريا الجنوبية؟ - موقع 24تخلص المستثمرون الأجانب من أسهم كورية جنوبية بمليارات الدولارات هذا العام، على الرغم من صعود مؤشر "كوسبي" (Kospi) كأحد أبرز المؤشرات أداءً في العالم حتى الآن، مسجلاً مكاسب قياسية منذ بداية العام.
ويرى محللون أن استمرار تفوق هذه الشركات قد يخلق حلقة متواصلة من البيع الإجباري لدى الصناديق النشطة، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة أوزان الأسهم داخل المحافظ، ما يجبر المديرين على تقليص حيازاتهم للحفاظ على حدود المخاطر المسموح بها.
وقال رئيس استراتيجية الأسهم لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في "أتش.أس.بي.سي" هيرالد فان دير لينده، إن هذا المستوى من التركز "يخلق تحديات هيكلية" أمام مديري الأصول، مضيفاً أنه كلما واصلت الأسهم تحقيق أداء قوي، ازدادت صعوبة زيادة الانكشاف عليها، الأمر الذي يعزز دورة البيع الإجباري ويوسع فجوة نقص الأوزان الاستثمارية حتى في ظل قوة الأساسيات المالية.
ورغم المكاسب الكبيرة التي حققتها أسهم تكنولوجيا المعلومات بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن قطاعات أخرى مثل السلع الاستهلاكية الأساسية والرعاية الصحية لم تستفد بالقدر نفسه، بحسب محللي "غولدن مان ساكس".