التزامات المنصات الرقمية تجاه قرار حظر التتبع الإعلاني للأطفال
التزامات المنصات الرقمية تجاه قرار حظر التتبع الإعلاني للأطفال
الثلاثاء 23 يونيو 2026 / 20:32

خاص 24| الإمارات تُعيد رسم خريطة المحتوى الرقمي من أجل طفولة آمنة

تضع دولة الإمارات سلامة الأطفال والمراهقين الرقمية كشرط أساسي لممارسة نشاط المنصات العالمية على أراضيها، حيث أطلقت منظومة تشريعية تُلزم هذه الشركات بتطوير أدوات تقنية متقدمة للتحقق من العمر ومنع وصول القاصرين إلى المحتوى الضار. 

وتمنح الدولة هذه المنصات مهلة 12 شهراً لتصحيح أوضاعها القانونية والتقنية بما يضمن مواءمة أنظمتها مع قوانين حماية الطفل المحلية، مع فرض معايير صارمة تمنع استغلال البيانات البيومترية للناشئين.

معايير الامتثال والتبعات القانونية للمنصات الرقمية

تُلزم اللوائح الجديدة منصات "تيك توك"، "إنستغرام" "سناب شات"، "فيسبوك"، و"إكس"، بتبني معايير تشغيلية صارمة تضمن بيئة رقمية آمنة، حيث تتوزع المسؤوليات والتبعات كالتالي:

  • آليات التحقق التقني: وجوب استخدام أنظمة متطورة للتحقق من العمر تعتمد على الهوية الرقمية، أو المطابقة البيومترية، أو تقدير السن عبر الذكاء الاصطناعي، مع منع الاعتماد على إقرار المستخدم.
  • إدارة حسابات القاصرين: تعطيل كافة الحسابات الحالية لمن هم دون 15 عاماً بصورة آلية من قِبل المنصة، مع تقييد الميزات التفاعلية وخوارزميات التوصية لمن هم بين 15 و16 عاماً.
  • التدابير العقابية: تمتلك هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية ومجلس الإمارات للإعلام صلاحيات فرض جزاءات متدرجة تبدأ بالإنذارات وتصل إلى الحجب الكلي أو الجزئي للمنصة داخل الدولة في حال عدم الالتزام بالمعايير.

 استراتيجية الإعلان ومستقبل المحتوى الآمن

حول تأثير هذه التغييرات، يوضح الدكتور محمد فتحي، الكاتب الأكاديمي وعضو لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر لـ "24"، أن القرار الإماراتي "قرار شجاع يضع سلامة الأطفال في المقام الأول"، مؤكداً أنه يفرض في الوقت ذاته تحديات مهمة تتمثل في توفير بدائل رقمية حقيقية وآمنة.

وفيما يخص تأثير الحظر على الإعلانات الموجهة، يُشير الدكتور فتحي في تصريحاته إلى أن منع التتبع الإعلاني للأطفال "سيكون ذا تأثير كبير على من يفتقرون إلى الابتكار، وتأثير بسيط على المبدعين في صناعة الإعلان"، مضيفاً أن المرحلة باتت تستدعي التحول نحو استهداف الأسرة بأكملها، والتوغل في المحتوى التعليمي، مع ضرورة وضع ضوابط تحول دون تحوّل المنصات التعليمية إلى منفذ خلفي لنفس الإعلانات المحظورة.

خاص 24| كيف يعيد حظر السوشيال ميديا بناء عقول الأطفال؟ الطب النفسي يجيب - موقع 24لم تعد شاشات الهواتف الذكية مجرد نافذة للتسلية في حياة الأطفال، بل تحولت إلى فضاء مفتوح يطرح تحديات غير مسبوقة على صحتهم النفسية والجسدية. 

وبشأن تأثير تقليص التوصيات الخوارزمية لفئة 15-16 عاماً على معدلات الانتشار، يُؤكد الدكتور فتحي أن "الانتشار العشوائي السريع سينخفض، وهو ما يمنح فرصة حقيقية لتراجع المحتوى الصادم الذي كانت تدفع به الخوارزميات"، مشيراً إلى أن أصحاب المحتوى الجيد سيستفيدون من ثقة الجمهور المتنامية عبر المجتمعات الرقمية الآمنة التي ستنتشر بتوصيات الأهل والمدرسة.

وللشركات وصانعي المحتوى، ينصح الدكتور فتحي بتبني منطق "السلامة أولاً" في تصميم المحتوى الموجه للأطفال، وفصل محتوى الأطفال عن محتوى اليافعين، واعتماد الإعلانات السياقية التي تفهم طبيعة المحتوى المحيط بها دون تتبع المستخدم الصغير. 

كما يدعو إلى قياس النجاح بمؤشرات جديدة تشمل مدة التفاعل الآمن وعدد المشاركات العائلية ورضا أولياء الأمور، بدلاً من الاقتصار على عداد المشاهدات.

ويختم محمد فتحي رؤيته بدعوة الدول إلى "أن تسبق الشركات في بناء منصات آمنة للأطفال خاضعة لمتابعة أبوية بضمان الدولة نفسها"، معتبراً ذلك من أهم استثمارات المستقبل.

التحديات البرمجية وضمانات حماية البيانات الحساسة

وفي سياق متصل، يستعرض الدكتور محمد عزام، خبير أمن المعلومات في تصريحات لـ "24"، الأبعاد التقنية لهذا التحول، مؤكداً أن فاعلية التشريع تكتمل بالاندماج مع الحلول البرمجية المتطورة والوعي المجتمعي. 

ويؤكد عزام أن التوازن مطلوب بين الانفتاح الرقمي والأمن المعلوماتي، مشيراً إلى أن "الموضوع معقد جداً، واستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد العمر يمثل أداة تقنية لدعم تطبيق القانون، مع ضرورة الالتزام بأعلى معايير حماية الخصوصية".

كما يشدد خبير أمن المعلومات على أن النجاح في توفير بيئة آمنة يعتمد على تكامل ثلاثة قواعد أساسية هي التكنولوجيا، والتشريع القابل للتطبيق، والوعي العام الذي يبدأ من الأسرة والمدرسة. 

ويضيف عزام أن "المعايير التقنية يجب أن تضمن عدم جمع أو تخزين بيانات حساسة أثناء عمليات التحقق، وتقليل البيانات التي يتم الاحتفاظ بها إلى أدنى حد ضروري، معتبراً أن الوعي هو السلاح الأول والأخير في مواجهة مخاطر التنمر أو استغلال البيانات الشخصية رقمياً".

وبشكل عام، شدد الخبراء على أن هذه الضوابط تفرض واقعاً تشغيلياً جديداً يعيد توجيه ميزانيات الإعلان نحو "المجتمعات الآمنة" والمحتوى العائلي، ما يقلص الجدوى المالية لنموذج الانتشار العشوائي القائم على الخوارزميات.

ومع بدء العد التنازلي لمهلة العام، تصبح الشركات العالمية أمام خيار وحيد يتمثل في الموازنة بين متطلبات الربحية والامتثال التقني الكامل، لتجنب خسائر الحجب أو العقوبات الإدارية التي تلاحق المنصات غير الملتزمة بمعايير البيئة الرقمية الآمنة.