صورة مولدة بوساطة الذكاء الاصطناعي
صورة مولدة بوساطة الذكاء الاصطناعي
الخميس 25 يونيو 2026 / 20:29

تتجاوز 680 مليار دولار.. كيف تبني الإمارات حصناً سيبرانياً لحماية الأصول الرقمية؟

لم يعد سباق الدول في قطاع الأصول الرقمية يقتصر على استقطاب شركات العملات المشفرة، بل امتد إلى بناء منظومات سيبرانية وتشريعية قادرة على حماية ثروات رقمية بمليارات الدولارات، وفي قلب هذا التحول، برزت الإمارات كواحدة من أسرع الدول نمواً في هذا القطاع، بعدما تجاوزت التدفقات المرتبطة بالأصول الرقمية داخل الدولة 680 مليار دولار خلال عام 2025. 

أقر سوق أبوظبي العالمي أول لائحة تنظيمية للأصول الرقمية عام 2018.

وضوح البيئة التنظيمية يعد أحد أبرز الأسباب التي دفعت شركات العملات المشفرة العالمية إلى اختيار الإمارات مقراً لأعمالها.

وبحسب صقر عريقات، الأمين العام لجمعية دبي للأصول الرقمية في مقابلة مع شبكة "CNBC"، "يعكس هذا الرقم التحول الذي شهدته الإمارات خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من التنافس على استقطاب الشركات الناشئة في قطاع العملات المشفرة إلى جذب المؤسسات الاستثمارية العالمية في هذا القطاع". 

الإمارات.. دولة رائدة في "البلوك تشين"

وقال عريقات: "رغم أن الولايات المتحدة لا تزال السوق الأهم، إلا أن الإمارات تسعى لأن تكون مركزاً دولياً للأنشطة خارج الولايات المتحدة بفضل قيادتها المتميزة، ووضوح تشريعاتها التنظيمية، وبنيتها التحتية المتينة، وسهولة الوصول إلى رأس المال".

يأتي هذا التوجه في سياق مسار تراكمي بدأ قبل قرابة عقد، إذ أطلقت دبي في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 "استراتيجية دبي للبلوك تشين"، أول استراتيجية حكومية في العالم لهذه التقنية، وفي 2018، أقرّ سوق أبوظبي العالمي (ADGM) أول لائحة تنظيمية شاملة للأصول الرقمية في العالم، قبل أن تتأسس في دبي عام 2021 هيئة تنظيم الأصول الافتراضية (VARA)، التي كرّست الإمارة مركزاً عالمياً لهذا القطاع. وشهد عام 2022 إطلاق "استراتيجية دبي للميتافيرس"، في خطوة استكملت منظومة التشريعات الرقمية، ورسّخت مكانة الإمارات دولةً رائدة عالمياً في تقنية البلوك تشين والأصول الرقمية.

ويرى عريقات أن "تنوع الجهات التنظيمية داخل الدولة، مثل هيئة الأوراق المالية والسلع، وهيئة تنظيم الأصول الافتراضية، وسوق أبوظبي العالمي، وفر بيئة رقابية متكاملة تخدم مختلف الأنشطة المرتبطة بالأصول الرقمية". 

حفارات ذكية و"ENERGYai".. كيف تُعيد "أدنوك" تعريف صناعة الطاقة؟ - موقع 24صناعة الطاقة في الإمارات تكتسب وتيرة تكنولوجية متسارعة، يدفعها توظيف مكثف للذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات على امتداد سلسلة القيمة النفطية والغازية، من الاستكشاف وحتى التوزيع.

وبحسب تحليل نشره موقع "Blockchain News"، لا يقتصر هذا التطور في مجال الأصول الرقمية على استقطاب الاستثمارات، بل قد ينعكس أيضاً على أحجام التداول في العملات الرئيسية مثل "بيتكوين" و"إيثيريوم"، مع توسع مشاركة المؤسسات المالية العالمية في سوق الأصول الرقمية داخل الإمارات.

تحديات

وتقول راما مشرقي المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني: "إن منصات تداول العملات المشفرة أصبحت هدفاً متزايداً للهجمات الإلكترونية، وتشمل أبرز التهديدات سرقة المفاتيح الخاصة، واختراق المحافظ الرقمية، وهجمات التصيد الاحتيالي، واستغلال الثغرات البرمجية في العقود الذكية، إلى جانب هجمات حجب الخدمة الموزعة (DDoS)، والهجمات التي تستهدف مزودي الخدمات وسلاسل التوريد التقنية المرتبطة بمنصات التداول".

الاعتماد على ChatGPT في تخطيط المشاريع.. أداة لتسريع الإنجاز أم بوابة لقرارات غير دقيقة؟ - موقع 24دراسات جدوى وتخطيط لمشاريع تنجز بعشر دقائق فقط عبر شات جي بي تي، معادلة جديدة دخلت عالم ريادة الأعمال، وفتحت الباب أمام اعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي في المراحل الأولى لتقييم المشاريع وبناء القرارات الاستثمارية. غير أن اختصار أسابيع من البحث والتحليل في دقائق معدودة يثير تساؤلات جوهرية حول مدى ...

وتضيف مشرقي لـ24 "الإمارات نجحت في الحد من هذه المخاطر عبر بناء منظومة تنظيمية تفرض متطلبات صارمة في الأمن السيبراني، وإدارة المخاطر، والامتثال، وحماية أموال العملاء، فضلاً عن إلزام الشركات بإجراء عمليات تدقيق أمنية دورية، وتطبيق ضوابط متقدمة، والإبلاغ عن الحوادث الأمنية، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين ويحد من المخاطر التشغيلية والمالية".

وترى مشرقي أن "وضوح البيئة التنظيمية يعد أحد أبرز الأسباب التي دفعت شركات العملات المشفرة العالمية إلى اختيار الإمارات مقراً لأعمالها"، وتؤكد "أن المستثمرين يبحثون عن استقرار القوانين ووضوح إجراءات الترخيص أكثر من بحثهم عن بيئة تنظيمية متساهلة، لما يوفره ذلك من رؤية طويلة الأجل ويخفض مستويات عدم اليقين".

طريقة حفظ الأصول الرقمية

من جانبه، يؤكد خبير تقنيات الذكاء الاصطناعي زيد ربابعة "أن حماية أصول رقمية تتجاوز قيمتها 680 مليار دولار تتطلب منظومة أمنية متعددة الطبقات، تبدأ بتخزين الجزء الأكبر من الأصول في محافظ باردة غير متصلة بالإنترنت، مروراً بأنظمة التوقيع المتعدد للمعاملات، وإنشاء مراكز عمليات أمن سيبراني تعمل على مدار الساعة لرصد التهديدات والاستجابة لها، وصولاً إلى اختبارات الاختراق الدورية والتدقيق الأمني المستقل وإدارة المفاتيح الرقمية وفق أعلى المعايير العالمية".

ويقول ربابعة لـ24 إن "الارتفاع المتواصل في القيمة السوقية للأصول الرقمية يعزز بطبيعة الحال جاذبية هذا القطاع لدى المهاجمين الإلكترونيين والجماعات الإجرامية المنظمة"، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن "تصاعد المخاطر لا يعني بالضرورة زيادة الخسائر، ما دامت الشركات والجهات المعنية تواصل الاستثمار في البنية التحتية للأمن السيبراني، والحوكمة الرقمية، والأطر التشريعية المتطورة".

ويضيف أن "وجود جهة تنظيمية متخصصة مثل هيئة تنظيم الأصول الافتراضية يمثل أحد أهم عناصر نجاح التجربة الإماراتية، لأنها توفر إطاراً رقابياً يتناسب مع طبيعة هذا القطاع سريع التطور، ويحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المستثمرين وإدارة المخاطر".

دمج الأصول الرقمية بالاقتصاد الحقيقي

ولا يقتصر توسع دولة الإمارات على تنظيم التداول فقط، بل يمتد إلى دمج الأصول الرقمية في الاقتصاد الحقيقي، وفي هذا الإطار، أطلقت "دبي للتأمين" أول محفظة رقمية للأصول المشفرة في قطاع التأمين بالإمارات في يناير (كانون الثاني) 2026.

عملات مُرخصة

في سياق متصل، أعلنت الشركة العالمية القابضة، و"سيريوس إنترناشيونال هولدينغ"، وبنك أبوظبي الأول، حصول العملة الرقمية المستقرة المدعومة بالدرهم الإماراتي "DDSC" على موافقة مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، بما يمهد لإطلاقها رسمياً. كما اعتُمدت عملة "AE Coin" وسيلةً للدفع لدى جميع الجهات الحكومية الاتحادية، لتصبح أول عملة مستقرة مرخصة من جهة تنظيمية يُسمح باستخدامها لسداد الرسوم الحكومية على مستوى الدولة.

ويرى خبير الذكاء الاصطناعي ربابعة أن "هذه المبادرات لا تقتصر على تعزيز استخدام الأصول الرقمية فحسب، بل تسهم أيضاً في ترسيخ مكانة الإمارات كمركز عالمي لإدارة الثروات والأصول الرقمية، مستفيدة من بيئة تنظيمية متقدمة، وبنية تحتية رقمية قوية، وموقع استراتيجي قادر على استقطاب المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا العالمية".

ويقول ربابعة: "في الوقت الذي تتنافس فيه دول العالم على استقطاب شركات الأصول الرقمية، تبني الإمارات نموذجاً متكاملاً يجمع بين التشريعات المتقدمة، والابتكار، والأمن السيبراني، وتوسيع الاستخدامات العملية للأصول الرقمية، في مسار يهدف إلى حماية ثروات رقمية مليارية، وتعزيز مكانة الدولة كإحدى أبرز عواصم الاقتصاد الرقمي في العالم".