صورة تعبيرية (24)
الأحد 28 يونيو 2026 / 17:38
دفعت موجة "تضخم الترفيه" ملايين الأسر حول العالم إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بعدما قفزت تكلفة حضور البطولات الرياضية والحفلات الموسيقية والعروض الفنية إلى مستويات غير مسبوقة، لتتحوّل "تجربة العمر" بالنسبة لكثيرين إلى عبء مالي يدفعهم إلى استنزاف المدخرات أو اللجوء إلى التقسيط والاقتراض.
دفعت موجة "تضخم الترفيه" ملايين الأسر حول العالم إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بعدما قفزت تكلفة حضور البطولات الرياضية والحفلات الموسيقية والعروض الفنية إلى مستويات غير مسبوقة.
ولم يعد حضور مباراة أو حفل موسيقي يقتصر على ثمن التذكرة، بل بات يشمل تكاليف السفر والإقامة والنقل والخدمات، ما ضاعف فاتورة الترفيه.
ويجسّد ذلك ما أنفقه زوجان أمريكيان لحضور مباريات كأس العالم 2026، فبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" بلغت تكلفة رحلتهما نحو 10 آلاف دولار، أي أكثر من ضعف ما دفعاه لحضور مونديال 2014، بعدما وصلا إلى شراء تذاكر بقيمة 800 دولار للفرد، فضلًا عن 175 دولاراً لمواقف السيارات في أحد الملاعب و150 دولاراً في ملعب آخر، إضافة إلى تكاليف الطيران والفنادق والقطارات وتأجير السيارات.
وتتكرّر الصورة في فعاليات رياضية وفنية أخرى، إذ بلغ متوسط أسعار إعادة بيع تذاكر مباريات كأس العالم نحو 1084 دولاراً، بينما وصل متوسط أسعار تذاكر نهائي دوري كرة السلة الأمريكي (NBA) إلى 4100 دولارات، مع بيع بعض المقاعد في صالة ماديسون سكوير جاردن بنحو 9 آلاف دولار.

اقتصاد "الخوف من فوات الفرصة"
اللافت أن الخوف من تفويت التجارب الاستثنائية (FOMO) أصبح أحد أبرز محركات الإنفاق، إذ يفضّل كثير من المستهلكين تحمّل أعباء مالية كبيرة مقابل حضور حدث يعتبرونه "مرة واحدة في العمر". ويعكس ذلك لجوء أحد المشجعين الاسكتلنديين إلى سحب 3 آلاف جنيه إسترليني من برنامج ادخار حكومي للمساهمة في تغطية رحلة بلغت تكلفتها نحو 9 آلاف دولار لحضور مباريات منتخب بلاده.
ويرى خبراء أن هذا السلوك يعكس تغيراً في أولويات المستهلكين، خاصة مع صعوبة امتلاك أصول مرتفعة الثمن مثل المنازل، ما يدفع بعض الأسر إلى توجيه جزء أكبر من إنفاقها نحو التجارب والذكريات بدلاً من السلع التقليدية.
من الذكريات إلى المليارات.. كيف تربح الإمارات رهان "اقتصاد التجربة"؟ - موقع 24يتحوّل إنفاق المستهلكين حول العالم بوتيرة متسارعة من شراء السلع إلى شراء الإحساس بها، في ظل صعود ما يعرف بـ"اقتصاد التجربة"، الذي تتجاوز قيمته حالياً تريليون دولار...
في المقابل، تجني شركات تنظيم الحفلات والفعاليات، ومنصات بيع التذاكر، وقطاعا الضيافة والمدفوعات الإلكترونية ثمار هذا الاتجاه. كما ازدهرت خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقاً" مثل Affirm وKlarna، التي تتيح للجماهير تقسيط قيمة التذاكر، ما ساعد على استمرار الطلب رغم ارتفاع الأسعار.
وانعكس ذلك على الأسواق المالية، إذ ارتفع سهم شركة ماديسون سكوير جاردن سبورتس، المالكة لعدد من الأصول الرياضية والترفيهية، بنحو 88% خلال عام، بينما صعد سهم شركة لايف نيشن، المالكة لمنصة بيع التذاكر تيكت ماستر، بأكثر من 20%.

إرث جائحة كورونا
ويعيد اقتصاديون جذور "تضخم الترفيه" إلى مرحلة ما بعد جائحة كورونا، عندما عاد الجمهور بقوة إلى الملاعب والمسارح وقاعات الحفلات بعد أشهر من الإغلاق، لتنشأ موجة طلب قوية على الفعاليات الحية، عزّزتها الجولات الضخمة لنجوم مثل تايلور سويفت وبيونسيه، التي رفعت مستوى الإنتاج والتقنيات المستخدمة في العروض، ورسخت مفهوم "سياحة الحفلات"، حيث يسافر الجمهور بين المدن والدول لحضور حدث واحد.
كما ساهم تحوّل صناعة الموسيقى من بيع الألبومات إلى خدمات البث الرقمي في زيادة اعتماد الفنانين على الجولات الفنية كمصدر رئيسي للدخل، ما دفع شركات الإنتاج إلى الاستثمار في عروض أكثر ضخامة وارتفاعاً في التكلفة.
لغز النجاح المستمر: لماذا تظل تايلور سويفت الرقم الأصعب في معادلة الفن والتسويق؟ - موقع 24بحلول عام 2026، لم تعد النجمة الأمريكية تايلور سويفت مجرد فنانة بوب ناجحة، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية وثقافية تُحطم الأرقام القياسية بمجرد إصدار عمل جديد..
لماذا تواصل الأسعار الارتفاع؟
ولا يرتبط ارتفاع الأسعار بزيادة الطلب فقط، بل أيضاً بارتفاع تكاليف تنظيم الجولات الفنية، إلى جانب استخدام برامج الشراء الآلي التي تستحوذ على التذاكر فور طرحها ثم تعيد بيعها بأسعار أعلى.
كما تتبنى شركات بيع التذاكر استراتيجيات لتعظيم الإيرادات، مثل طرح التذاكر على دفعات لخلق شعور بالندرة، وتطبيق التسعير الديناميكي الذي يرفع الأسعار تلقائياً مع ارتفاع الطلب.
ورغم استمرار الإقبال على الفعاليات الكبرى، بدأت الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل في تقليص إنفاقها، والاقتصار على حضور عدد محدود من الحفلات سنوياً. وفي المقابل، حافظت أكبر 100 جولة فنية في أمريكا الشمالية على إيرادات بلغت 1.9 مليار دولار، بينما ارتفع حجم مبيعات إعادة بيع التذاكر بنسبة 20%، مع استقرار متوسط السعر عند 203 دولارات مقارنة بـ206 دولارات قبل عام.
ويؤكد هذا المشهد أن سوق الترفيه العالمي لم يعد يبيع تذاكر فقط، بل يبيع "التجربة"، في وقت أصبحت فيه الذكريات سلعة مرتفعة الثمن، تعيد رسم خريطة إنفاق الأسر حول العالم.