صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
الأربعاء 1 يوليو 2026 / 18:51

بطاريات الصوديوم "ترش" الملح في قلب اقتصاد الطاقة

يشهد الملح اهتماماً متزايداً الفترة المقبلة، مع تحوله إلى سلعة استراتيجية في ظل طفرة الطلب على بطاريات "أيونات الصوديوم"، ما يجعله مرشحاً لدور أكبر في اقتصاد الطاقة المتجددة، وفق تقديرات بنك "مورغان ستانلي".

وتظهر بطاريات أيونات الصوديوم في واجهة الصناعة، مع بحث الأسواق عن بدائل أقل كلفة وأكثر وفرة من بطاريات الليثيوم، مع مساعي استحداث آليات لتخزين الطاقة المرتبط بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. هذه المعادلة المتسارعة قد تمنح الملح دوراً اقتصادياً يتخطى استخداماته التقليدية على الأطباق وفي المأكولات منذ مئات السنين.

عصر النفط الجديد 

يتوقع مورغان ستانلي أن تقفز حصة بطاريات أيونات الصوديوم في السوق من 2% العام المقبل إلى 20% في 2030، و37% بحلول 2035، مدعومة بانخفاض كلفتها من 30% إلى 40%، وأدائها الأفضل في الطقس البارد مقارنة ببطاريات الليثيوم. 

ويشير البنك إلى ارتفاع حجم السوق السنوي إلى 830 غيغاواط/ساعة بحلول 2030، ثم إلى 2.4 تيراواط/ساعة في 2035، بدعم من استثمارات تصل إلى 800 مليار دولار.

يقول المحلل في البنك، جاك لو: "في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي ويزداد فيه استهلاك الطاقة، تعالج بطاريات أيونات الصوديوم نقطة اختناق رئيسة عند تقاطع أمن الطاقة مع الذكاء الاصطناعي". ويؤكد أن جيل البطاريات الجديد يُعيد تعريف أمن الطاقة ويغير مسار الاستثمارات والبنية القائمة.

سلاسل توريد جديدة 

يرى خبير الاقتصاد في الإمارات، وضاح الطه، أن "توظيف الملح أو كلوريد الصوديوم في بطاريات إنتاج الطاقة اكتشاف مهم. بل إنه، في تقديري، أكثر أهمية من اكتشاف استخدام الليثيوم في البطاريات لتوفير الطاقة".

ويقول الطه لموقع 24: "تكمن الأهمية في معالجة هذا الملف، سواء من خلال استخدام نترات الصوديوم أو نترات البوتاسيوم في تخزين الطاقة، ويتمثل الحل في تكلفة هذا البديل مقارنة ببطاريات الليثيوم بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40%".

ويضيف الطه أن "ذلك سيؤدي إلى جذب استثمارات من الآن وحتى عام 2030 بنحو 800 مليار دولار، كما أتوقع أن يشهد هذا المجال استثمارات كبيرة، اعتماداً على تخزين الطاقة ومعالجة مشكلة انقطاع الكهرباء في بعض مصادر الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية".

من هيمنة الليثيوم إلى الصوديوم 

تُشير دراسات منشورة على منصة "PubMed Central"، إلى أن التحول الفعلي صوب بطاريات الليثيوم بدأ منذ أوائل التسعينيات في الإلكترونيات الاستهلاكية، وأصبح محورياً في صناعة السيارات بعد 2008 و2010، ليكتب بدايته في الانتشار التجاري والتحول العالمي صوب سوق السيارات الكهربائية بعد 2020.

وتسارع الاعتماد على بطاريات الليثيوم، في ظل انخفاض تكلفة البطاريات وارتفاع الدعم الحكومي الموجه للسيارات الكهربائية، ما يدفع شركات مثل: تسلا، وبي واي دي، وفولكس فاغن، وهيونداي، وبي إم دبليو، للتوسع في الطرازات الكهربائية.

وتُفيد وكالة الطاقة الدولية بأن مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً تخطت 17 مليون سيارة في 2024، لتسجل ارتفاعاً أكثر من 20 مليون سيارة في 2025، ما يعادل 25% من سوق السيارات الجديدة.

واليوم، تعد بطاريات الليثيوم العمود الفقري للسيارات الكهربائية، رغم صعود بدائل مثل بطاريات أيونات الصوديوم التي بدأت محاولات تسويقها أوائل العقد الماضي، قبل أن تكتسب زخماً في 2021 مع بقاء إنتاجها في مرحلة مبكرة مقارنة بالليثيوم.

هل يتحول الملح إلى نفط جديد؟

اقتصادياً، لا يُتوقع أن تقفز أسعار الملح بقوة لمجرد تحوله صوب اقتصاد الطاقة ونمو الطلب على بطاريات أيونات الصوديوم، نظراً لتوفره بكميات كبيرة وانخفاض تكلفة استخراجه نسبياً.

ويبلغ حجم سوق كلوريد الصوديوم 13.25 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن ينمو من 13.99 مليار دولار في 2026 إلى 22.8 مليار دولار بحلول 2035، مسجلاً معدل نمو سنوي 5.58%، وفق موقع "marketresearchfuture".

ويعود تشبيه الملح بـ "النفط الجديد" إلى دوره الاستراتيجي في سلاسل تخزين الطاقة، إذ يرتبط بشكل غير مباشر مع أسواق النفط عبر تكاليف الطاقة والنقل.

ويبقى تأثير بطاريات أيونات الصوديوم على الطلب النفطي محدوداً وطويل الأجل، إذ تسهم في التحول نحو الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، ما يقلل الاعتماد تدريجياً على الوقود التقليدي.

فرصة لمنتجي الطاقة 

ومن جهته، يرى المحلل في مورغان ستانلي، أندرو بيركوكو، أن "وفرة الصوديوم وانخفاض كلفته في الولايات المتحدة، يسمحان للشركات بتوجيه جزء من إنتاج البطاريات إلى الداخل الأمريكي".

هنا تبرز شركة "جنرال موتورز" عبر شراكتها مع "Peak Energy" لتطوير بطاريات أيونات الصوديوم، إذ يتوقع أن تبدأ في نشر التقنية بعد 2028، ما يمنحها حقوق تصنيع حصرية، وإمكانية توظفيها في تطبيقات الدفاع والنقل.

ويدعو وضاح الطه، الدول المنتجة للنفط والغاز إلى تكثيف حضورهم في سوق الطاقة المتجددة، ويقول: "أرى منذ سنوات أنه من الأفضل لمنتجي النفط الحاليين، أي النفط التقليدي العضوي، أن يكون لهم حضور قوي وأن يجروا أبحاثاً لتعزيز موقعهم في إنتاج الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية في منطقتنا بالنسبة للمنتجين الحاليين". 

ويضيف لـ 24: "كما ينبغي إيجاد حلول تهدف إلى تطوير جيل جديد من الألواح الشمسية يكون أكثر كفاءة وأقل تكلفة. وهناك أيضاً مجال آخر، وهو الهيدروجين الأخضر والأزرق، في إنتاج هذا النوع من الوقود الذي يُعد وقوداً نظيفاً، ومؤخراً بروز المشروع المرتبط بالملح أو كلوريد الصوديوم والذي لا يزال في الواجهة".

تقنية واعدة بمزايا وتحديات 

وفي المقابل، تصف وكالة الطاقة الدولية بطاريات أيونات الصوديوم بأنها تقنية صاعدة في السوق، إذ تمنح الصناعة خياراً إضافياً لتنويع وسائل التخزين وسلاسل الإمداد، في ظل تزايد الطلب العالمي على السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة.

وتوضح الوكالة أن بطاريات الصوديوم تعمل بالمبدأ نفسه لبطاريات الليثيوم، إلا أنها في مرحلة أقل نضجاً من الناحية التجارية؛ إذ يمثل إنتاجها العالمي في 2025 أقل من 1% مقارنة بإنتاج الليثيوم. 

وتؤكد الوكالة أن انتشار بطاريات أيونات الصوديوم يواجه تحديات رئيسة، إذ تتركز معظم القدرات في الصين بما يزيد عن 95% من الطاقة الإنتاجية المتوقعة في 2030، ما يجعل بناء سلاسل إمداد عاملاً حاسماً في توسع التقنية عالمياً.