بنك اليابان المركزي في طوكيو  (رويترز)
بنك اليابان المركزي في طوكيو (رويترز)
الإثنين 27 يوليو 2026 / 17:27

أزمة ثلاثية تخنق اليابان.. الديون والطاقة والفائدة في مواجهة واحدة

عندما تولّت ساناي تاكايتشي رئاسة وزراء اليابان في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، صعدت محتضنة طموحات ناخبين أرهقهم الركود وغلاء المعيشة، بعدما قفز تضخم المواد الغذائية ليتجاوز 7% في العام السابق، وارتكز برنامج حكومتها على وعد مباشر بإنعاش الاقتصاد واستعادة القوة الشرائية للأسر.

تواجه اليابان حلقة مفرغة؛ إذ يؤدي ضعف الين إلى ارتفاع التضخم، ما يفرض رفع الفائدة ويزيد كلفة خدمة الدين العام، بينما تقوض خطط الإنفاق الضخمة ثقة الأسواق، في وقت يزداد فيه الضغط على المالية العامة مع استمرار الاعتماد الكبير على واردات الطاقة ومقترحات خفض الضرائب.

غير أنه بعد مرور تسعة أشهر فقط، اصطدم هذا التعهد بتقاطع معقد من الأزمات الجيوسياسية والمالية والنقدية التي لا تهدد بوقف أجندتها فحسب، بل بزعزعة استقرار ثالث أكبر اقتصاد في العالم. لذلك تحوّل السؤال في طوكيو وواشنطن والأسواق المالية من قدرة اليابان على استدامة التعافي، إلى مدى تمتّع مؤسساتها بالمصداقية للعبور من أزمة صنعتها بنفسها على مدار عقود.

 متى بدأت الأزمة؟

تعود جذور الهشاشة المالية اليابانية الحالية إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ لم يكن الدين العام يتخطى 60% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع انفجار فقاعة الأصول وإنقاذ القطاع المالي، قفزت النسبة إلى 130% بنهاية التسعينيات، ثم أدّت أزمة 2008 وارتفاع الإنفاق المرتبط بشيخوخة السكان إلى عجز مستمر استنزف 10% إضافية فوق الإيرادات الضريبية، ليتجاوز الدين 260% عام 2020. 

ورغم ضبط الميزانية وتحسن النمو جزئياً ليهبط الدين دون مستوى 230% بحلول 2025، ظلّ الخلل الهيكلي دون حل.

في الوقت ذاته، احتمت اليابان تاريخياً بكون 90% من سنداتها الحكومية مملوكة محلياً لنوادي البنوك وصناديق التأمين ومدخرات الأسر التي تعادل ثلث الناتج المحلي، الأمر الذي حماها من هروب الاستثمار الأجنبي. غير أن ذلك الغطاء لم يعد مضموناً، وهو ما لخصه جيلبرت سالمون، الباحث في مركز ميركاتوس، بقوله إن اليابان تختبر اليوم الحدود القصوى لتحمل الديون، ما ينهي وهم إمكانية استدانة الاقتصاد المتقدم بلا عواقب للأبد.

 صدمات الطاقة والحروب التجارية

وتجلى ذلك التحذير بوضوح في 28 فبراير (شباط) 2026، مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية وما تلاها من اشتعال صراع الشرق الأوسط؛ إذ لم تكن أي من دول المجموعة السبع أكثر عرضة لهذه الصدمة من اليابان، التي تعتمد على الخارج في استيراد 90% من احتياجات الطاقة العابرة لمضيق هرمز، إلى جانب استيراد نصف احتياجاتها الغذائية. 

الأمر الذي انعكس فوراً على السوق المحلي بطفرة قياسية في أسعار الغاز خلال أسابيع معدودة.

اللافت أيضاً أن هذا الضغط جاء وسط بيئة تجارية متهالكة بالأساس، إذ تضررت من فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب 15% رسوماً جمركية على الصادرات اليابانية و50% على الصلب والألومنيوم، فضلاً عن رد الصين بفرض قيود تصدير شاملة وإدراج عشرات الشركات اليابانية في القوائم السوداء لتأكيد طوكيو دعمها لتايوان، لينتج عن تداخل الرسوم الأمريكية والتضييق الصيني مع صدمة طاقة الشرق الأوسط تراجعاً ملموساً في النمو وقفزة قياسية في أسعار الغاز. 

مأزق بنك اليابان

وسط هذا المشهد المتوتر، وجد بنك اليابان المركزي نفسه أمام تضخم أحدثته صدمات المعروض؛ فبعد إنهاء سياسة الفائدة السالبة في 2024، حذر البنك في أبريل (نيسان) 2026 من مخاطر قفزة تضخمية كبيرة. 

وبحلول يونيو (حزيران)، ومع تمرير الشركات تكاليف النفط المتصاعدة بسرعة، رفع البنك سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 1%، وهو أعلى مستوى له منذ 1995.

ورغم البُعد الرمزي للقرار لكونه الأول منذ 31 عاماً، ظلت السياسة النقدية مرنة بشكل كبير؛ إذ استمر التضخم فوق مستهدفه البالغ 2% منذ 2022، بينما لم يتجاوز مجموع التشديد النقدي منذ إلغاء الفائدة السالبة سوى 110 نقطة أساس. 

ولخص تحليل بنك "بي إن بي باريبا" الصادر في 30 يونيو (حزيران) طبيعة هذا التحدي بدقة، مشيراً إلى أن المعضلة الحقيقية تتمثل في صعوبة السيطرة على التضخم دون التسبب في زعزعة استقرار سوق السندات والمالية العامة، لا سيما أن ميزانية البنك تخطت 120% من الناتج المحلي الإجمالي في بداية 2024، ما جعل استقرار الميزانية الحكومية يعتمد بشكل مباشر على استمرار البنك في امتصاص إصدارات السندات.

خطة استثمارية تثير مخاوف الأسواق

في هذا التوقيت الحرج، أطلقت حكومة تاكايتشي مسودة خطة اقتصادية لضخ 370 تريليون ين من الأموال العامة والخاصة في 17 قطاعاً صناعياً على مدار 14 عاماً، بهدف رفع الناتج المحلي إلى 1.1 كوادريليون ين بحلول 2040. لكن إشارة المسودة إلى أهمية "الإدارة المناسبة للسياسة النقدية" أثارت مخاوف من ضغوط على بنك اليابان، ما دفع عوائد السندات إلى أعلى مستوى في 29 عاماً، وزاد من تراجع الين، وسط تحذيرات من غياب خطة واضحة لتمويل الإنفاق.

وعندما رأت الحكومة غضب الأسواق والخوف من تدخلها في قرارات بنك اليابان المركزي، تراجعت خطوة للوراء وحذفت الصيغة المثيرة للجدل من النسخة النهائية للخطة، مؤكدةً على استقلالية البنك المركزي، لكنها أبقت على حجم التعهدات المالية الضخمة كما هي في وثيقة الخطة.

لذلك يرى مراقبون أن اليابان تواجه حلقة مفرغة؛ إذ يؤدي ضعف الين إلى ارتفاع التضخم، ما يفرض رفع الفائدة ويزيد كلفة خدمة الدين العام، بينما تقوض خطط الإنفاق الضخمة ثقة الأسواق، في وقت يزداد فيه الضغط على المالية العامة مع استمرار الاعتماد الكبير على واردات الطاقة ومقترحات خفض الضرائب.