إيرلينغ هالاند (AFP)
الثلاثاء 4 أغسطس 2026 / 14:53
لم تعد الأندية الكروية الكبرى تكتفي بتصنيع قمصان المباريات التقليدية، وإنما دخلت بقوة إلى عالم الموضة اليومية وأزياء الشارع (Lifestyle & Streetwear)، لتتحول من كيانات رياضية بحتة إلى علامات تجارية موازية في صناعة الأزياء العالمية.
وأسهم هذا التحول في تحقيق مبيعات قياسية للشركات الراعية، إذ باتت التغريدة العابرة لنادٍ مثل مانشستر سيتي عن مجموعة أزياء جديدة في كوريا الجنوبية تطبيقاً عملياً مباشراً لاستراتيجية تسويقية أوسع تتبناها العلامات الرياضية الكبرى اليوم، بحسب ما رصدته منصات عالمية متخصصة مثل "بيزنس أوف فاشن" (BoF) و"ذا أثلتيك".
أبرز المجموعات وأسعارها في 2026
تدمج هذه المجموعات شعارات الأندية التاريخية مع تصاميم عصرية تناسب الحياة اليومية والمناسبات، وأبرزها ثلاث مجموعات رئيسية:
مجموعة Nike Jordan x باريس سان جيرمان: تضم هوديز ببطانات سميكة وألوان نيون مستوحاة من الفضاء، وجاكيتات عصرية، وتيشيرتات قطنية مريحة، وبناطيل رياضية للشارع. تتراوح أسعار الهوديز والجاكيتات بين 350 و400 درهم إماراتي (قرابة 95 إلى 109 دولارات)، فيما تُباع التيشيرتات بـ210 دراهم (قرابة 57 دولاراً).

مجموعة adidas Originals x ريال مدريد: تقدم سترات كلاسيكية بتصميم السبعينيات والثمانينيات تحمل شعار "الترفويل" التاريخي لأديداس، إلى جانب بناطيل رياضية كاجوال وأحذية سنيكرز مخصصة بألوان النادي. تُباع القمصان الكلاسيكية (ريترو) بـ300 درهم إماراتي (قرابة 82 دولاراً) بعد الخصومات، بينما تصل السترات الكاملة "التراك سوت" إلى بـ500 درهم إماراتي (قرابة 136 دولاراً).

مجموعات التدريب الفاخرة (مثل Nike VaporKnit Strike): تقدم ملابس تدريب ضيقة ومرنة مزودة بتقنيات تهوية متطورة، مصممة أصلاً للأداء الرياضي لكنها تُلبس اليوم كأزياء يومية ضمن ما يُعرف بـ"لايف ستايل" الرياضي، بأسعار تتراوح بين 340 و360 درهماً إماراتياً (قرابة 93 إلى 98 دولاراً).
استراتيجية "التوطين الإبداعي" الإقليمي
انتقلت العلامات الكبرى إلى استراتيجية "المجموعات الإقليمية المحدودة" (Hyper-Local & Limited Drops)، المصممة بالتعاون مع فنانين واستوديوهات إبداعية محلية في كل بلد يزوره النادي.
ويمثل تعاون مانشستر سيتي وبوما نموذجاً واضحاً لهذا التوجه؛ إذ لم تطرح بوما، احتفالاً بجولة النادي الآسيوية، تصميماً بريطانياً تقليدياً، وإنما تعاونت مع استوديو الموسيقى والأزياء الكوري "POV" لإطلاق مجموعة أزياء حصرية ومحدودة، عُرضت في متجر مؤقت أُطلق عليه اسم "Man City House" في منطقة "صونغسو" النابضة بالحياة في سيول. وقبل أيام قليلة من وصول الفريق إلى سيول، تعاونت بوما والسيتي أيضاً في هونغ كونغ مع الاستوديو الإبداعي "Offgod" (Tate) لابتكار خط ملابس وبضائع مخصصة للثقافة الشبابية هناك، في دليل إضافي على أن الملابس اليومية للأندية تحولت من "منتج رياضي" إلى "أداة دمج ثقافي" حقيقية.
أزياء "ممر الوصول" وقيمة الإعلام المكتسبة
تعكس صور اللاعبين وهم يصلون "بكامل أناقتهم" إلى الفنادق والملاعب فلسفة تسويقية باتت تُعرف باسم "أزياء السفر والوصول" (Tunnel Fits). فاللاعبون لم يعودوا يرتدون بذلات رسمية موحدة أو ملابس قطنية تقليدية عند النزول من الطائرة أو الحافلة، وإنما يرتدون قطع أزياء شارع حصرية ومصممة خصيصاً للرحلة.
وتدرك الماركات العالمية أن مقاطع نزول اللاعبين، التي يتابعها الملايين عبر منصات التواصل الاجتماعي، تحقق ما يُعرف بـ"القيمة الإعلامية المكتسبة" (Earned Media Value)، وهي قيمة تسويقية تتجاوز في كثير من الأحيان ملايين الدولارات مقارنة بتكلفة الحملات الإعلانية التقليدية المدفوعة، بحسب تقارير متخصصة في تجارة التجزئة الرياضية.

الأثر المالي على الشركات الراعية
حققت هذه الشراكات قفزة نوعية حقيقية في الأداء المالي للعلامات التجارية عبر عدة محاور متزامنة:
فتح أسواق جديدة خارج نطاق مشجعي كرة القدم: تحولت المنتجات إلى قطع موضة يرتديها مشاهير الفن وموسيقى الهيب هوب، مثل جاستن تيمبرليك، ونجوم كرة السلة الأمريكية أمثال دريموند غرين ونيكولا باتوم، ما جذب مستهلكين لا يتابعون كرة القدم أصلاً. وارتفعت مبيعات نادي باريس سان جيرمان في السوق الأمريكي بنسبة 470% عقب إطلاق خط منتجات جوردان الرياضي، وفق تقارير "سبورتس برو". والمثير أن هذا التعاون، الذي بدأ في 2018 بعقد لثلاث أعوام فقط، امتد بالفعل لأكثر من ست أعوام متتالية، ووصل في يناير (كانون الثاني) 2025 إلى محطة فارقة بإطلاق مجموعة "Jordan Wings x PSG" الفاخرة خلال أسبوع الموضة في باريس، بجاكيتات "فارسيتي" من مزيج الكشمير وتفاصيل جلدية فاخرة، لتنتقل شراكة كروية-رياضية من عالم الملاعب إلى منصات عروض الأزياء الراقية.
طفرة في مبيعات التجزئة والإيرادات التجارية لأديداس: بفضل تصاميمها المتنوعة والشعبية الهائلة لريال مدريد، يتصدر "الملكي" قائمة أعلى مبيعات التجزئة و"الميرشندايز" في أوروبا بإيرادات بلغت 196 مليون يورو (قرابة 225.4 مليون دولار). ودفع هذا النجاح أديداس لتمديد عقدها مع النادي حتى 2034 بقيمة 120 مليون يورو سنوياً (قرابة 138 مليون دولار) كرعاية ثابتة بخلاف نسب المبيعات، في أضخم عقد رعاية بتاريخ كرة القدم حتى اليوم بحسب تقارير "سبورتيكو" و"ديارو آس" الإسبانية.
تعرف على عوائد العلامات التجارية من مونديال 2026.. القائمة كاملة - موقع 24تصدرت "أرامكو" قائمة العلامات التجارية الأكثر استفادة من كأس العالم لكرة القدم 2026، بعدما حققت زيادة تقديرية في قيمة علامتها بلغت 1.08 مليار دولار، مستفيدة من الانتشار العالمي للبطولة واتساع نطاق الظهور الإعلامي المرتبط بالرعاية الرياضية.
نايكي تراهن على "جوردان" رغم التراجع العام: رغم التراجع الذي تشهده نايكي عموماً في قطاع أزياء الشارع أخيراً، لا تزال شراكتها مع باريس سان جيرمان عبر علامة "جوردان" تمثل القناة الأقوى للتوزيع؛ إذ قفزت مبيعات منتجات النادي عبر الإنترنت بنسبة 4200% في غضون 12 ساعة فقط عقب تتويجه الأوروبي الأخير، ما يبرز القوة الشرائية المذهلة لخطوط الموضة المرتبطة بالأندية الكبرى. ويبدو أن نايكي تعي هذه القيمة جيداً؛ إذ تشير تقارير صحيفة "ليكيب" الفرنسية إلى مفاوضات جارية حالياً لتجديد عقد الرعاية مع باريس سان جيرمان حتى 2037، برفع الرسوم السنوية من 60 مليون يورو (قرابة 69 مليون دولار) إلى ما يقارب 100 مليون يورو (قرابة 115 مليون دولار)، رغم أن العقد الحالي لا ينتهي إلا في 2032، في مؤشر إضافي على قيمة "الاستريت وير" الكروي بالنسبة للشركة الأم رغم تعثر أداء علامة جوردان في أسواق أخرى.
بوما تدخل السباق بقوة عبر مانشستر سيتي: لم تكتفِ بوما بالتعاونات الإقليمية المحدودة في آسيا، وإنما وقعت عقد رعاية ضخماً لمدة عشر أعوام مع مانشستر سيتي بقيمة 650 مليون جنيه إسترليني (قرابة 844 مليون دولار)، لتضع نفسها في مواجهة تنافسية مباشرة مع أديداس ونايكي على قيادة سوق أزياء الأندية العالمية.
اقتصاديات "الإصدارات المحدودة" وتأثير الندرة
تحقق المجموعات المحدودة مكاسب خفية هائلة للشركات، إذ تُباع هذه القطع، من الهوديز المخصصة إلى قبعات "البول كاب" والإكسسوارات، بأسعار أعلى بنسبة تتراوح بين 30% و50% من الملابس الرياضية العادية. فعلى سبيل المثال، تبلغ القيمة العادية لسترة السفر الكاجوال الرسمية للنادي من بوما 148 إلى 230 درهماً إماراتياً (قرابة 40 إلى 63 دولاراً)، لكن المجموعات الحصرية الممزوجة بلمسات استوديوهات الموضة تقفز أسعارها بشكل كبير، وتُباع بالكامل في غضون ساعات فقط نتيجة سياسة "تأثير الندرة" المتعمدة.
كما يعزز نمو القيمة السوقية للعلامة التجارية هذا النموذج الاقتصادي؛ فتحالفات بوما مع الكيانات الثقافية الآسيوية، مثل استوديو "POV" الكوري، تتيح للماركة اختراق أسواق جيل "زد" غير المهتم أصلاً بكرة القدم، لكنه مهتم بالموسيقى وأزياء الشارع الكورية، ما يرفع مبيعات التجزئة لشركة بوما في قطاع "لايف ستايل" بشكل عام بمعدلات نمو سنوية قوية.
يكشف هذا التحول، أن قيمة النادي الكروي في 2026 لم تعد تُقاس بالرياضة فقط، وإنما بقدرته على التحول إلى منصة أزياء عالمية قابلة للتسويق على مدار العام. فمن جاكيت كشمير فاخر يُعرض في أسبوع موضة باريس، إلى متجر مؤقت في أحياء سيول العصرية، تتسابق أديداس ونايكي وبوما على تحويل شعارات الأندية إلى رموز ثقافية تتجاوز حدود الملعب بمئات ملايين الدولارات سنوياً، في سباق تجاري لا يقل إثارة عن السباق على الألقاب الرياضية.