حاويات في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ ف ب)
الخميس 13 أغسطس 2026 / 09:04
يدخل القطب الشمالي مرحلة جديدة من المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية مع تراجع الجليد البحري بفعل تغير المناخ، الأمر الذي يفتح مسارات بحرية جديدة يمكن أن تختصر بصورة كبيرة الوقت والطاقة اللازمين لنقل البضائع بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وبينما تتسابق القوى الكبرى على استكشاف هذه الفرص، تبدو الصين في موقع متقدم بالفعل، وفقاً لافتتاحية "فاينانشيال تايمز".
يشير التقرير إلى أن ارتفاع درجات حرارة البحار، الذي سجل مستويات قياسية خلال يوليو (تموز) الماضي، يحمل تداعيات خطيرة على المناخ، لكنه في الوقت نفسه يخلق فرصاً تجارية جديدة في أقصى شمال العالم. ومع انحسار الجليد، بدأت طرق ملاحية جديدة بالظهور في القطب الشمالي، وسط توقعات بأن تصبح هذه الممرات جزءاً مهماً من حركة التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة.
أول خط حاويات أسبوعي عبر القطب الشمالي
برزت الصين في مقدمة هذا التحول بعدما أطلقت شركة شحن صينية، أول خدمة أسبوعية لسفن الحاويات عبر القطب الشمالي، في رحلة تربط الساحل الشرقي للصين بالمملكة المتحدة مروراً بمحاذاة الأراضي الروسية.
وأطلقت على المسار الجديد تسمية "طريق الحرير الجليدي"، في إشارة إلى طموح الصين لدمج الممرات البحرية القطبية الجديدة في شبكتها التجارية العالمية، بالتوازي مع استمرار توسع نفوذها في قطاع الشحن وبناء السفن.
ولا تتحرك الصين منفردة في هذه المنطقة، إذ تستفيد من التعاون مع روسيا، التي تمتلك عشرات كاسحات الجليد وتملك خبرة واسعة في تشغيل السفن في المياه القطبية، كما سعت موسكو خلال السنوات الماضية إلى تعزيز سيطرتها السيادية على "طريق بحر الشمال" الممتد على طول الساحل الروسي.
الصين تعزز نفوذها البحري
وترى "فاينانشيال تايمز" أن صعود الصين في القطب الشمالي لا يمكن فصله عن التحول الأكبر الذي شهدته استراتيجيتها البحرية خلال العقود الماضية، فمنذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، أصبحت قطاعات النقل البحري والشحن وبناء السفن من المجالات الاستراتيجية التي ركزت عليها بكين بصورة متزايدة.
وأدى هذا الاستثمار طويل الأمد إلى تغيير كبير في ميزان القوة في صناعة بناء السفن العالمية. فضاعفت الصين إنتاجها ثلاث مرات مقارنة بالولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، وأصبحت تستحوذ على 55% من صناعة بناء السفن العالمية، مقابل 5% فقط في 2000.
ولا تحمل هذه الفجوة أبعاداً تجارية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى المجال العسكري والاستراتيجي، إذ تمنح القدرات الصناعية البحرية المتقدمة، الصين قاعدة قوية لتعزيز نفوذها في الممرات البحرية العالمية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحدياً لإعادة بناء قدرتها المحلية في هذا القطاع.
واشنطن تسعى لاستعادة موقعها
وفي الولايات المتحدة، تتزايد الضغوط السياسية لإحياء صناعة بناء السفن التجارية وتعزيز الأسطول البحري المحلي، من خلال مشروع قانون يعرف باسم "Ships Act"، يهدف إلى إعادة تنشيط أحواض بناء السفن الأمريكية وزيادة حجم الأسطول التجاري.
لكن المبادرة تواجه انتقادات من بعض الجهات التي ترى أن المشروع تعرّض للتخفيف نتيجة ضغوط جماعات تمثل المستوردين الأمريكيين، الذين قد يواجهون تكاليف أعلى إذا اضطروا إلى استخدام سفن أمريكية في عمليات الشحن.
كاسحات الجليد مفتاح التجارة في الشمال
وتشكل كاسحات الجليد أحد العناصر الأساسية لتوسيع حركة التجارة في القطب الشمالي. فحتى عندما لا يكون الجليد ظاهراً على سطح المياه، قد تحتاج السفن التجارية إلى مساعدة كاسحات الجليد للمرور بأمان، نظراً إلى الطبيعة شديدة التقلب للمياه القطبية.
وتتغير حركة الرياح والأمواج بسرعة في أقصى الشمال، ما قد يؤدي إلى تحرك الجليد بصورة مفاجئة ومحاصرة السفن، وبالتالي فإن فتح الممرات التجارية الجديدة لا يعتمد فقط على تراجع الجليد، بل يتطلب أيضاً بنية تحتية بحرية وقدرات متخصصة قادرة على التعامل مع الظروف القاسية.
الصين تعلن نفسها دولة "قريبة من القطب الشمالي"
بدأت بكين قبل سنوات في تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في المنطقة، حتى أعلنت نفسها "دولة قريبة من القطب الشمالي"، في محاولة لتأكيد أن لها مصالح مشروعة في مستقبل المنطقة، رغم أنها ليست دولة قطبية.
وتزامن ذلك مع توسع التعاون الصيني الروسي في مشاريع نقل النفط والغاز من المنطقة وإليها، مستفيدين من البنية البحرية والخبرات الروسية في الملاحة القطبية.
وتمنح الموارد الطبيعية أهمية إضافية لهذا التنافس، إذ يضم القطب الشمالي احتياطيات كبيرة من الموارد، من بينها الغاز الطبيعي والمعادن النادرة، فضلاً عن إمكانية ظهور طرق تجارية جديدة مع استمرار تراجع الجليد.