موقع للتعدين في الكونغو (أ ف ب)
موقع للتعدين في الكونغو (أ ف ب)
السبت 26 سبتمبر 2026 / 14:40

"الذهب الأحمر".. صراع على كنز النحاس الأفريقي

​لم يعد النحاس مجرد معدن صناعي تقليدي، بل تحوّل إلى "ذهب أحمر" تتصارع على امتلاكه القوى الاقتصادية الكبرى. وفي قلب هذا الصراع العالمي، تتجه الأنظار نحو القارة الأفريقية التي لم تعد تكتفي باستنزاف ثرواتها البكر من باطن الأرض، بل بدأت رحلة استعادة آلاف الأطنان من النحاس الصافي من قلب "المخلفات والنفايات التعدينية"، عبر صفقات استراتيجية غير مسبوقة.

​تحالف التقنية الصينية ورأس المال الهندي

تتجلى أحدث صور هذا السباق المحموم في زامبيا- ثاني أكبر منتج للنحاس في القارة السمراء بعد جمهورية الكونغو الديمقراطية. إذ أبرمت شركة "كونكولا لمناجم النحاس" (المملوكة بنسبة 79.4% لمجموعة "فيدانتا ريسورسز" التابعة للملياردير الهندي أنيل أجاروال، بينما تحتفظ الحكومة الزامبية بنسبة 20.6% عبر شركتها القابضة) صفقة ضخمة بقيمة 498 مليون دولار أمريكي مع شركة صينية بارزة، بحسب موقع "بزنيس إنسايدر".

​وبموجب هذه الاتفاقية، مُنح عقد الهندسة والتوريد والبناء للعملاق الصيني China NERIN Engineering لإنشاء مشروع متكامل في منطقة "تشينغولا"، يستهدف إقامة أكبر منشأة في أفريقيا لمعالجة واستخلاص النحاس من مخلفات المناجم.

الاقتصاد الدائري

لا تكمن أهمية هذا المشروع في قيمته الاستثمارية فحسب، بل في فلسفته التشغيلية التي تجسّد مفهوم "الاقتصاد الدائري" والاستغلال المستدام للموارد. إذ سيعتمد المصنع على تقنيات التخمير المائي الحديثة لإعادة تدوير المخلفات المعدنية المتراكمة عبر العقود الماضية واستخلاص النحاس منها، بدلاً من الاقتصار على التعدين التقليدي.

​ويلتزم المشروع باسترداد نحو 70 ألف طن من النحاس الصافي سنوياً من النفايات المتبقية. كما يشمل العقد الصيني كافة مراحل التصميم، والتوريد، والتركيب، ودعم التشغيل التجريبي، واختبارات الأداء، إلى جانب تدريب الكوادر المحلية.

و​تأتي هذه الخطوة ضمن خريطة طريق طموحة وضعتها مجموعة "فيدانتا"، ضخت بموجبها تعهدات استثمارية تتجاوز المليار دولار لإعادة إحياء أصول "كونكولا" وتطوير التعدين العميق، وصولاً لرفع إجمالي إنتاجها إلى 300 ألف طن سنوياً بحلول 2030.

وتتزامن هذه التدفقات الاستثمارية مع استعادة المناخ الاستثماري لثقته في زامبيا، عقب التسوية التاريخية بين "فيدانتا" وحكومة الرئيس "هاكايندي هيشيليما"، والتي أنهت نزاعاً قضائياً واقتصادياً معقداً امتد منذ 2019 حين وُضعت الشركة تحت التصفية المؤقتة. وتتكامل هذه الخطوة كلياً مع الرؤية القومية لزامبيا، والتي تسعى لرفع إنتاجها الوطني الإجمالي من النحاس إلى 3 ملايين طن سنوياً، لترسيخ موقعها كمورد رئيسي للأسواق العالمية.

​المحركات الهيكلية لاستخراج النحاس

الاندفاع العالمي القوي نحو النحاس الأفريقي يقف خلفه تحول هيكلي في عمق الاقتصاد العالمي، ويتجسد في التوسع الهائل لشبكات الكهرباء ومزارع الرياح والطاقات المتجددة، والنمو المتسارع لقطاع السيارات الكهربائية الذي يستهلك أضعاف ما تتطلبه السيارات التقليدية، فضلاً عن ثورة الذكاء الاصطناعي وما تفرضه من حاجة ماسة لبناء وتحديث مراكز البيانات الملاقة ذات الاستهلاك المرتفع للطاقة.

من يملك النحاس في أفريقيا؟

تقبع القارة الأفريقية فوق واحدة من أغنى مستودعات النحاس الاستراتيجية على كوكب الأرض، وتحديداً ضمن "حزام النحاس" الممتد بين وسط وجنوب القارة.

و​وفقاً لتقارير البنك الدولي لعام 2025، تتجاوز صادرات أفريقيا السنوية من النحاس حاجز 3.4 مليون طن. وتتصدر جمهورية الكونغو الديمقراطية المشهد بزخم إنتاجي غير مسبوق تشكل فيه أكثر من 70% من إجمالي الإنتاج الأفريقي، مسجلة صادرات قياسية جعلتها تتربع كأنشط الموردين لأسواق أوروبا وآسيا وتنافس كبار المنتجين عالمياً مثل: تشيلي والبيرو.

​وتحل زامبيا في المرتبة الثانية بثبات، مستهدفة قفزة إنتاجية من 890 ألف طن حالياً إلى 3 ملايين طن سنوياً عبر خطط توسعية طموحة. ومع ذلك، تشير التقديرات الجيولوجية إلى أن ما استُخرج حتى اليوم لا يعدو كونه رأس الجبل الجليدي؛ إذ تختزن أراضي القارة عشرات الملايين من الأطنان في احتياطيات بكر لم تبدأ عمليات استغلالها التجاري بعد.

​وإلى جانب هذين العملاقين، تضم قائمة الدول الأفريقية الغنية بالمعدن الأحمر كلاً من: جنوب أفريقيا، والمغرب، وإريتريا، وموريتانيا، وبوتسوانا، وناميبيا، وتتنوع ثرواتها بين مناجم نشطة ومكامن واعدة تجذب أنظار شركات الاستكشاف العالمية.

عمالقة التعدين: من يدير المناجم؟

يتحكم في مشهد استخراج النحاس داخل أفريقيا نخبة من كبرى الشركات متعددة الجنسيات، والتي تخوض منافسة ضارية لتأمين موقعها في هذه الرقعة الجيوسياسية الحساسة، ومن أبرزها:

  • ​إيفانهو ماينز (Ivanhoe Mines) الكندية، بالشراكة مع زيجين ماينينغ (Zijin Mining) الصينية في الكونغو.
  • ​فيرست كوانتوم مينرالز (First Quantum Minerals) الكندية في زامبيا.
  • ​جلينكور (Glencore) السويسرية في الكونغو.
  • ​كاموتو للنحاس (KCC)، شركة التشغيل المحلية في الكونغو.
  • باريك غولد (Barrick Gold) الكندية وتعمل في زامبيا.
  • كوبولد ميتالز (KoBold Metals) الأمريكية، المدعومة من كبار المستثمرين التقنيين مثل جيف بيزوس في زامبيا.