الإثنين 12 أكتوبر 2026 / 15:39

الإمارات وميزانية الـ292.5 مليار درهم.. بناء اقتصاد المعرفة ورفاه المواطن

اعتمد مجلس الوزراء برئاسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الميزانية العامة للاتحاد للأعوام من 2027 إلى 2029 بمصروفات إجمالية تصل إلى 292.5 مليار درهم، بزيادة 28.3% مقارنة مع الدورة التمويلية للسنوات الثلاث السابقة.

ويعكس التوسع المالي في المصروفات توجه الحكومة الاتحادية نحو توظيف الإنفاق العام لدعم النشاط الاقتصادي وتعزيز الرفاه الاجتماعي، بالتوازي مع تنويع مصادر الدخل وتطوير الإيرادات المستدامة.

الاستقرار المالي 

ويأتي اعتماد ميزانية 2027 بمصروفات 90.1 مليار درهم ليمثل خطوة رئيسية في التدشين الفعلي للخطة المالية متوسطة المدى، إذ تستهدف الحكومة من خلال المخصصات المقرة للسنة الأولى ترسيخ ركائز الاستقرار المالي والجاهزية للمستقبل، عبر رفع كفاءة الإنفاق وتوجيه الموارد نحو بناء اقتصاد مرن ومستدام قائم على الابتكار والمعرفة، مع الحفاظ على التوازن المالي كأولوية قصوى للمنظومة الاقتصادية الإماراتية.

وتظهر البيانات المقرّة لميزانية 2027 توزيعاً دقيقاً ومتوازناً للكتلة النقدية والمصروفات على القطاعات الاستراتيجية، بما يضمن تلبية المتطلبات المؤسسية والاجتماعية والتنموية بالتوازي. 

رأس المال البشري

ويستأثر قطاع التنمية الاجتماعية والمعاشات بالوزن النسبي الأكبر من الميزانية العامة بـ34.6 مليار درهم، ما يمثل 38.4% من إجمالي نفقات 2027، مما يعكس  أن رأس المال البشري والعدالة الاجتماعية يشكلان حجر الزاوية في العقيدة المالية للدولة.

وفي المقابل، خُصص لقطاع الشؤون الحكومية 29.1 مليار درهم، مستحوذاً على حصة 32.3% من الميزانية، وذلك لدعم التميز المؤسسي، وتحديث البنية الرقمية، ومواصلة تقديم خدمات حكومية فائقة الجودة .

أما المصروفات الاتحادية العامة فقد بلغت القيمة المرصودة لها 17.8 مليار درهم، أي ما يعادل 19.7% من الهيكل العام للمصروفات، مما يدعم الأنشطة السيادية والتشغيلية للمؤسسات الاتحادية المختلفة.

ولغايات تنمية العوائد السيادية وتحقيق وفورات مالية مستدامة للأجيال القادمة، رُصد لقطاع الأصول المالية والاستثمارات المالية 5.6 مليار درهم، بنسبة تعادل 6.2% من الميزانية، بهدف توجيه السيولة نحو محافظ استثمارية محلية ودولية ذات جدوى مرتفعة.

وأخيراً، حظي قطاع البنية التحتية والموارد الاقتصادية باعتماد مالي مباشر بـ3 مليارات درهم، ما يمثل 3.4%، وهو مخصص لدعم الاستدامة البيئية، وتطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وتعزيز مستويات الأمن المائي والغذائي والطاقة النظيفة.

أولويات الإنفاق

وتظهر القراءة التحليلية للميزانية أن أولويات الإنفاق العام تظل راسخة وثابتة بالنسبة للقيادة الإماراتية، إذ يتمحور التوجه المالي للدورة الجديدة حول مرتكزات تمس حياة المواطن واستقراره بشكل مباشر.

ويأتي في مقدمة تلك المرتكزات دعم التعليم المستقبلي المبتكر عبر التحديث المستمر للمناهج والبيئة الجامعية لتواكب متطلبات الثورة الصناعية الرابعة، إلى جانب الارتقاء بالرعاية الصحية الشاملة من خلال رصد الموارد الكافية لتجهيز المستشفيات الاتحادية بأحدث التقنيات العلاجية.

ويتزامن ذلك مع تقديم الخدمات الاجتماعية الاستباقية لتمكين الفئات المجتمعية كافة وتأمين العيش الكريم، عبر شبكات الأمان الاجتماعي والمعاشات التقاعدية.

وتستهدف التوجهات المعتمدة تعزيز جودة الحياة الشاملة وخلق بيئة معيشية ترفع من مؤشرات السعادة والرضا العام، مما يرسخ مكانة الإمارات كوجهة مفضلة عالمياً للعيش والعمل والاستثمار.

تقييمات إيجابية

وتحظى السياسات المالية المتبعة في دولة الإمارات، وبخاصة التخطيط المالي متوسط المدى، بإشادات واسعة وتقييمات إيجابية مستمرة من قِبل كبريات المؤسسات المالية والاستثمارية الدولية، والتي ترى فيها  دليلاً إضافياً على متانة الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، يشير صندوق النقد الدولي في تقاريره الدورية ومراجعاته للمادة الرابعة الخاصة بالإمارات إلى أن الإدارة المالية المرنة والمنضبطة أسهمت في بناء حواجز صد وصدوع مالية قوية جداً.

ويرى الصندوق أن النمو التصاعدي في نفقات الميزانية يمثل توسعاً مالياً مدروساً ومدعوماً بالكامل بنمو قوي في الإيرادات غير النفطية الناجم عن نجاح سياسات التنويع الاقتصادي وكفاءة تطبيق ضريبة الشركات والأنظمة الجمركية الموحدة، كما يثني الصندوق على الالتزام الحكومي بصياغة ميزانيات صفرية العجز، وهو ما يحد من الضغوط التضخمية ويحافظ على التوازن المالي العام.

من جانبه، يؤكد البنك الدولي أن الميزانية العامة للاتحاد في دولة الإمارات مثلت طيلة السنوات الماضية أداة  لتحفيز الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.

ويركز البنك في تحليلاته السابقة على الأثر المضاعف للإنفاق على قطاعات التنمية الاجتماعية والبنية التحتية، حيث يساهم تخصيص الجزء الأكبر من المصروفات للتنمية الاجتماعية والمعاشات في تعزيز مستويات الدخل وتنشيط الاستهلاك المحلي، في حين يساهم الإنفاق الاستثماري في خفض التكاليف التشغيلية للأعمال التجارية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يضع الإمارات في صدارة مؤشرات التنافسية العالمية.

وتُجمع وكالات التصنيف الائتماني الكبرى مثل موديز للخدمات الاستثمارية ووكالة فيتش للتصنيف الائتماني على منح الحكومة الاتحادية لدولة الإمارات تصنيفات ائتمانية سيادية عند أعلى المستويات العالمية مع نظرة مستقبلية مستقرة.

وتعزو هذه الوكالات تقييماتها المرتفعة إلى انخفاض مستويات الدين العام إلى الحدود الدنيا وضخامة الأصول السيادية، وترى أن دورة الميزانية الجديدة تمنح المستثمرين الأجانب ومؤسسات الأعمال رؤية واضحة ومستقرة بشأن البيئة التشغيلية والإنفاق التنموي للدولة، مما يقلل من مخاطر الأعمال ويعزز الجاذبية الائتمانية للدولة كمركز مالي عالمي آمن.

وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن الميزانية الاتحادية للأعوام (2027-2029) لا تقتصر  على كونها بياناً تقديرياً للمصروفات والإيرادات، بل تمثل نقلة نوعية في منهجية العمل المالي الحكومي، إذ تتبنى وزارة المالية الإماراتية بالتعاون مع لجنة الميزانية العامة للاتحاد استراتيجيات متطورة تدمج أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل البيانات الضخمة في عمليات التخطيط المالي والرقابة الاستباقية.

رسالة ثقة

إن اعتماد الميزانية العامة للاتحاد للأعوام 2027-2029 يبعث برسالة ثقة قوية إلى الأسواق المالية المحلية والإقليمية والدولية، فالنمو البالغ 28.3% في حجم المصروفات يبرهن على أن الاقتصاد الإماراتي يتوسع بقوة وثبات بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة التقليدية، مستنداً إلى ركائز متينة من التنوع والابتكار والاستقرار المالي والسياسي.

ومن خلال التركيز الاستراتيجي الواضح في 2027 على قطاع التنمية الاجتماعية والمعاشات والتعليم والصحة، تثبت الإمارات مجدداً أن جودة حياة المواطن وبناء قدراته البشرية هما الغاية والوسيلة في مسيرتها التنموية الشاملة. وبفضل الدعم المطلق والإشادات الفنية المستمرة من المؤسسات المالية الدولية، تتأهب الدولة لولوج حقبة اقتصادية جديدة ترسخ مكانتها كأحد أكثر الاقتصادات جاهزية للمستقبل وأكثرها جذباً للاستثمارات .