جانب من إحدى جلسات مؤتمر تريندز (24)
جانب من إحدى جلسات مؤتمر تريندز (24)
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 / 08:42

لم يعد سوقاً واحدة.. كيف تغير الحرب حسابات اقتصاد الخليج؟

تحولت المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط من مجرد تحديات أمنية إلى عوامل مؤثرة في قرارات الاستثمار وتكاليف الشحن والتأمين، وسط توجه دول الخليج والشركات العالمية إلى مراجعة البنية التحتية ومسارات التصدير وسلاسل الإمداد.

وأكد خبراء دوليون، خلال جلسة "الترابط المرن: تأمين تدفقات الطاقة والتجارة في عصر التنافس الجيو-اقتصادي"، ضمن مؤتمر "تريندز" السنوي السادس 2026 في أبوظبي يوم الإثنين، أن حماية منشآت الطاقة والممرات البحرية أصبحت أولوية اقتصادية، رغم ما تتطلبه من استثمارات إضافية وتكاليف تشغيلية أعلى.

مواجهة المخاطر

وقال الدكتور نيل كويليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز "تشاتام هاوس" البريطاني، إن المخاطر السياسية والأمنية أصبحت عوامل هيكلية تؤثر مباشرة في قرارات الاستثمار لدى الحكومات والشركات.

وأشار إلى أن نموذج الطاقة الخليجي استند لعقود إلى أمن المنشآت واستمرار حركة الملاحة البحرية وقدرة الترتيبات الأمنية الدولية على حماية الإمدادات، قبل أن تغير الحرب هذه الافتراضات.

الخليج لم تعد سوقاً واحدة

وتوقع زيادة الاستثمارات في مرافق التخزين وخطوط الأنابيب ومسارات التصدير البديلة، إلى جانب توسع شركات النفط الوطنية الخليجية في مشروعات التكرير والبتروكيماويات والبنية التحتية للطاقة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وحذر من تأثير ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والإنفاق الأمني والتمويل في الجدوى الاقتصادية للمشروعات، لافتاً إلى توجه المستثمرين لتقييم المخاطر بحسب الدولة والقطاع والمشروع، بدلاً من التعامل مع الخليج كسوق استثمارية واحدة.

حماية المنشآت

ورجح تقدم الإنفاق على حماية المنشآت وتأمين الإمدادات مؤقتاً على تمويل مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، مع احتمال تباطؤ التحول في الطاقة على المدى القصير.

من جانبها، حذرت الدكتورة كارين يونغ، الباحثة العلمية الأولى في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا الأمريكية، من تداعيات الاضطرابات الأخيرة على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، مع تفاوت قدرتها على استيعاب الصدمات بحسب احتياطياتها النقدية وأصول صناديقها السيادية.

وأشارت إلى استفادة بعض الدول من ارتفاع أسعار الطاقة وتوافر مسارات تصدير بديلة، مقابل ضغوط على القطاعات غير النفطية، خصوصاً السياحة والخدمات.

الضغوط الاقتصادية

وتوقعت استمرار الضغوط الاقتصادية لعامين أو أكثر، في ظل التحديات التي تواجه الحكومات للموازنة بين الإنفاق الدفاعي وحماية المنشآت وتمويل برامج التنويع الاقتصادي.

بدوره، أكد البروفيسور كريستيان بويغر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كوبنهاغن، أن حماية التجارة البحرية لم تعد مسؤولية قوة دولية واحدة، داعياً إلى ترتيبات أمنية إقليمية تشارك فيها الحكومات والمنظمات الدولية وشركات الشحن.

مصلحة مشتركة

وأوضح أن حماية الممرات البحرية تمثل مصلحة مشتركة لقطاعات الطاقة والغذاء والتجارة، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من تجربة التعاون الدولي في مكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية، عندما نجحت قوى دولية وإقليمية، بالتعاون مع شركات الشحن، في الحد من الهجمات على السفن التجارية بين عامي 2010 و2012.

ورأى أن دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي أمام فرصة لتعزيز التعاون في أمن الملاحة بغرب المحيط الهندي، مع ضرورة بحث مساهمة الشركات والقطاعات المستفيدة من التجارة البحرية في تمويل ترتيبات الحماية.

المنافسة على الموانئ 

من جهته، قال الدكتور فيديريكو دونيلي، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة تريستي الإيطالية، إن المنافسة على الموانئ والممرات التجارية في البحرين الأحمر والمتوسط تعكس تداخل مصالح القوى العالمية والإقليمية والمحلية.

وأشار إلى استثمارات تركيا ودول الخليج في البنية التحتية والربط التجاري لدعم التنمية وتوسيع الحضور الاقتصادي، مقابل الأهمية الحيوية لحرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب للاقتصادات الأوروبية.

مخاطر الانقسام

وحذر من مخاطر الانقسام المرتبطة بتنافس القوى الخارجية، رغم الفرص الاقتصادية التي قد يوفرها للدول المطلة على الممرات الاستراتيجية.

أما الكاتب والمحلل البحريني عبدالله الجنيد، فشدد على أن تطوير شبكات الربط والنقل والخدمات اللوجستية يمثل أحد أبرز الحلول لتعزيز قدرة اقتصادات المنطقة على مواجهة الأزمات.

تطوير الممرات

وأشار إلى فرص تطوير الممرات البرية والسكك الحديدية التي تربط شبه الجزيرة العربية بالأسواق الأوروبية عبر العراق وسوريا وتركيا، إلى جانب توسيع البنية التحتية للطاقة والتجارة مع أفريقيا.

وحذر الجنيد من أن إيران لن تكون مصدر التهديد الوحيد في المستقبل، مشدداً على ضرورة الاستعداد لمواجهة تحديات أمنية متعددة قد تؤثر في استقرار المنطقة وتدفقات الطاقة والتجارة.

التعامل مع اضطرابات

وأكد أهمية الاستثمارات السابقة في خطوط الأنابيب الممتدة من شرق السعودية إلى غربها، والبنية التحتية في الفجيرة بالإمارات، في التعامل مع اضطرابات الإمدادات، داعياً إلى تسريع مشروعات الربط الإقليمي والتكامل اللوجستي.

وفي تصريح خاص لـ 24 على هامش المؤتمر، أكد البروفيسور تشوي جونغ كون، النائب الأول السابق لوزير الخارجية الكوري الجنوبي، وأستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة يونسي، أن التوترات الجيوسياسية لن تغيّر بصورة جوهرية العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين كوريا الجنوبية والخليج.

علاقات قوية

وأشار إلى أن بلاده تحتاج إلى إمدادات مستقرة من النفط، ما يتطلب الحفاظ على علاقات قوية مع الخليج، مؤكداً أن الحرب قد تثير بعض التوترات وتدفع إلى دراسة تنويع الاستثمارات، لكنها لن تؤثر بصورة أساسية في استمرار التعاون الاستثماري.

ولفت إلى الاستثمارات الكورية في قطاع الطاقة الخليجي، بما يشمل مشروعات الغاز الطبيعي في قطر، إلى جانب مشاركة الشركات الكورية في إنشاء محطات براكة للطاقة النووية في الإمارات، مشدداً على استمرار التزام بلاده بشراكتها مع الإمارات رغم التحديات الإقليمية.

توصيات للأمن المستدام

وفي ختام المؤتمر، استعرض عوض البريكي، رئيس قطاع "تريندز جلوبال"، ست توصيات لتعزيز الأمن المستدام، ترتكز على دمج حماية الاقتصادات وإمدادات الطاقة والممرات البحرية ضمن منظومة الأمن الوطني.

وشملت التوصيات تعزيز التعاون الأمني الإقليمي وأنظمة الإنذار المبكر والتنسيق الاستخباراتي، وتطوير منظومة أمنية تجمع الردع العسكري والدبلوماسية وإدارة الأزمات، إلى جانب توطيد الشراكات مع الولايات المتحدة وأوروبا والشركاء الدوليين.

المرونة الاقتصادية

ودعا البريكي إلى ترسيخ المرونة الاقتصادية عبر حماية منشآت الطاقة والموانئ والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد، وتسريع التكامل الإقليمي في النقل والربط الكهربائي والخدمات اللوجستية والاتصال الرقمي.

وتضمنت التوصيات تعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الرقمية ومواجهة التلاعب بالمعلومات، وتحويل الحوارات الاستراتيجية إلى مبادرات عملية لتنسيق السياسات والاستعداد للأزمات وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة.

دروس الأزمات

واختتم البريكي بالتأكيد أن مستقبل الشرق الأوسط لا يرتبط بكيفية انتهاء الحرب وحدها، بل بقدرة دول المنطقة على الاستفادة من دروس الأزمات لبناء سياسات تحقق الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي.

وشهد المؤتمر، الذي انعقد تحت شعار "الأمن المستدام: مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب"، ثلاث جلسات أخرى تناولت "نحو رؤية جديدة للأمن الإقليمي: ماذا بعد الردع؟"، و"المجال المعلوماتي كساحة للصراع: السرديات والتأثير والحرب المعلوماتية"، و"القوة من خلال الشراكات: اصطفافات تعيد رسم توازنات القوى"، بمشاركة خبراء ومسؤولين دوليين ناقشوا مستقبل الأمن الإقليمي والتحالفات الاستراتيجية وتحديات الحروب المعلوماتية.