(رويترز)
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 / 13:25
وضعت الحكومة المغربية الجديدة ملامح توجهاتها المالية للمرحلة المقبلة عبر الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية والموازنة العامة لسنة 2027.
وتعد الموازنة المرتقبة الأولى في عهد الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، حيث رسمت خريطة طريق ترتكز على ثنائية التحفيز الاقتصادي وتوطيد ركائز الدولة الاجتماعية المستدامة.
وتأتي الموازنة محملة بإرث ثقيل من التحديات الهيكلية، حيث تعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط اتساع الفجوة بين الأداء الكلي للاقتصاد والشعور العام للمواطنين بالاستقرار المالي.
تراجع معيشة الأسر
أفادت %76.3 من الأسر المغربية بتدهور مستوى معيشتها خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، مقابل %18.5 رأت أن مستواها المعيشي ظل مستقراً، فيما أشارت %5.2 فقط إلى تحسنه.
و تعكس القراءة التحليليلة لمشروع الموازنة مدى واقعية التقديرات الحكومية وقدرتها على تحويل التعهدات المالية إلى تدابير ملموسة تكبح جماح التدهور المعيشي، وذلك بالاستناد إلى رؤى ومؤشرات المؤسسات المالية الدولية الشريكة للمملكة.
توسع في الانفاق الاجتماعي
وتسعى الموازنة إلى تحقيق معادلة دقيقة تتأرجح بين الانضباط المالي الصارم والتوسع المدروس في الإنفاق الاجتماعي، وبناءً على ذلك أسست الحكومة توقعاتها على مؤشرات كلية تشمل استهداف نسبة نمو تبلغ 4.7% مع نهاية سنة 2026 كمقدمة أساسية لبناء فرضيات العام المالي المقبل.
وفي سياق متصل، يستهدف الالتزام المالي الحكومي احتواء مستويات التضخم في حدود 0.7%، مع الطموح لتقليص العجز المالي المباشر ليصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وتتكامل المنظومة الرقمية مع وعود برفع القيمة المالية للدعم الاجتماعي المباشر الموجه للأسر المعوزة، ومضاعفة الاعتمادات المرصودة لتأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، بجانب تعزيز البرامج السكنية.
وعلى مستوى الأرقام الكلية المستهدفة، تجدر الإشارة إلى أن الأرقام والاعتمادات الإجمالية لميزانية الدولة لا تُعلن بصيغتها النهائية إلا عند إحالة النص القانوني المفصل لمشروع قانون المالية كاملاً إلى البرلمان للدراسة والمصادقة عليها .
وحيث إن الموازنة ما تزال في مرحلة التوجهات المعتمدة داخل المجلس الوزاري، فقد ركز العرض المالي الحكومي على فرضيات النمو والاستثمار القطاعي الكلي والموجه.
تبيان الطموح والتقديرات
تثير المؤشرات المستهدفة نقاشاً واسعاً بين الخبراء الماليين بالنظر إلى المناخ الاقتصادي العالمي المحاط باللايقين، ويبرز هنا تباين بين الطموح الحكومي وتقديرات المؤسسات المانحة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
فعلى مستوى رهان النمو البالغ 4.7%، يربط صندوق النقد الدولي آفاق النمو في المغرب بمدى التعافي من التغيرات المناخية والإجهاد المائي المستمر الذي يضرب القطاع الزراعي.
ويرى الصندوق، أن تحقيق هذه المعدلات يعتمد على تسريع وتيرة الاستثمارات غير الفلاحية واستكمال البنية التحتية، محذراً من أن النمو قد لا ينعكس تلقائياً على خلق فرص العمل الكافية لامتصاص البطالة المتزايدة بين الخريجين.
أما بشأن التضخم المستهدف عند 0.7%، فتشير توقعات الصندوق إلى استقراره بين 0.9% في 2026 وحوالي 1.4% في 2027. وتنبّه الهيئات الدولية إلى أن انخفاض المعدل يعني تباطؤ سرعة ارتفاع الأسعار وليس انخفاضها الفعلي، مما يفسر استمرار شكوى الأسر.
وفيما يخص خفض عجز الموازنة إلى 3%، فإن هذا الالتزام يرضي وكالات التصنيف الائتماني الدولي، لكنه يضع ضغطاً هائلاً على الإيرادات الضريبية في وقت تتضاعف فيه نفقات الدعم الاجتماعي والتعليم والصحة.
التحديات
تواجه المقاربة الحكومية الجديدة اختباراً ميدانياً حاسماً عند الانتقال من تقديم المساعدات المؤقتة إلى تطبيق إصلاح جذري وشامل لمنظومة الأسعار وضبط الأسواق ابتداءً من سنة 2027.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن الصيغة الأولى لبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر لم تسلم من الانتقادات؛ إذ اعتبرت الأسر المستفيدة أن التعويضات النقدية الموزعة لم تكن كافية لمواجهة موجة الغلاء الناتجة عن الرفع التدريجي للدعم عن مواد صندوق المقاصة كالسكر والدقيق والغاز.
وبناءً على هذا الواقع، يمثل قرار الحكومة برفع القيمة المالية للدعم في الموازنة الجديدة خطوة تصحيحية ملحة لحماية الفئات الهشة ومنع انزلاقها نحو خط الفقر.
ومع ذلك، فإن نجاح الرفع المالي يظل مشروطاً بتفعيل حقيقي لآليات مراقبة المنافسة، والضرب على أيدي شبكات الوساطة والمضاربة التي تتحكم في سلاسل التوريد.
ومن دون الرقابة، فإن أي سيولة مالية إضافية تمنحها الدولة للأسر ستلتهمها قفزات الأسعار المصطنعة، ما يحرم المواطن البسيط من التماس الأثر الحقيقي لهذه الإصلاحات على قفته اليومية
برنامج وطني لدعم الشباب
تتزامن الموازنة الحالية مع إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب يمتد من عام 2027 إلى 2031، ويهدف إلى ربط منظومة التعليم والتكوين المهني بسوق الشغل وتيسير الولوج إلى التمويل لدعم المقاولات الناشئة والصغيرة.
وتواجه الحكومة تحت قيادتها الجديدة تحدياً استراتيجياً يتمثل في تحويل الاستثمارات الكبرى إلى فرص عمل ودخول حقيقية، حيث يتطلب التوازن المالي مواءمة دقيقة بين الإنفاق الاستثماري للمشاريع الكبرى، مثل استكمال تمويل خطة كأس العالم 2030 البالغة 20 مليار دولار، والإنفاق الاجتماعي المباشر لضمان عدم حدوث إجهاد مالي للميزانية العامة للمملكة.
وتُظهر المؤشرات الكلية لموازنة 2027 أن المغرب يمتلك رؤية واضحة لأزماته الهيكلية من خلال التركيز على قطاعات التعليم والصحة والدعم المباشر وإصلاح الأسعار.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المخطط المالي لا يتوقف على صياغة الفرضيات الرقمية المتفائلة، بل على كفاءة التدبير الحكومي وقدرته التنفيذية على تحويل هوامش النمو المالي إلى تنمية ترابية شاملة ومستدامة تخفف من وطأة المعيش اليومي، وتجيب بشكل مباشر على انتظارات الأسر المغربية التي تتطلع لالتماس أثر الإصلاح الاقتصادي في واقعها المعيشي.