الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 / 21:07
تضع أزمة الدين الفرنسي الاقتصاد الأوروبي أمام اختبار ربما يكون أكبر من قدرة باريس على ضبط ماليتها العامة، حيث يمكن أن تتحول الضغوط المتزايدة على سوق السندات إلى أزمة تمويل تنتقل إلى دول أخرى في منطقة اليورو، في مقدمتها إيطاليا.
يترقب المستثمرون خفض عجز موازنة 2027 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، محذرين من أن أي تراجع عن هذا الطموح سيضعف الثقة في السندات السيادية الفرنسية.
ومكمن الخطر هنا أن ارتفاع كلفة الاقتراض لا يضغط على الموازنات الحكومية وحدها، بل يحد أيضاً من قدرة الشركات على الاستثمار، ويزيد الضغط على اقتصاد أوروبي يعاني أساساً من تواضع معدلات نموه.
وفي هذا الشأن، حذرت مؤسسة "أوكسفورد إيكونوميكس" من أن تفاقم أزمة السندات الفرنسية وانتقال تداعياتها إلى الدول مرتفعة الدين قد يدفع فرنسا وإيطاليا إلى الركود خلال 2027.
ورغم أن هذا الاحتمال يظل مرتبطاً بسيناريو شديد الخطورة، وليس التوقع الأساسي للمؤسسة، لكنه يكشف حجم الترابط بين الاقتصادات الأوروبية، وكيف يمكن لأزمة مالية في ثاني أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو أن تصبح تهديداً لجارتها الإيطالية.

فرنسا تدفع ثمن ديونها
تُقدّر الحكومة الفرنسية عجز موازنتها لهذا العام بـ5.4% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت بلغ فيه الدين العام 3.596 تريليون يورو (119% من الناتج المحلي) بنهاية يونيو (حزيران) 2026.
ونتيجة لهذا التقاطع بين العجز والمديونية القياسية تتضاعف خطورة الوضع المالي، محوّلة ارتفاع كلفة خدمة الدين إلى المعضلة الأساسية التي تكبل الاقتصاد.
كما يُتوقع ارتفاع مدفوعات فوائد الدين إلى 91 مليار يورو في 2027، مقابل 79.2 مليار يورو في 2026. وتقترب الزيادة السنوية من 12 مليار يورو، ما يعني تخصيص جزء أكبر من الموارد العامة لخدمة الدين، على حساب الإنفاق على الخدمات والاستجابة للمطالب الاجتماعية.

في الوقت نفسه، تواجه الحكومة الفرنسية احتجاجات على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، بينما تعرقل الانقسامات السياسية تمرير موازنة 2027 عبر الجمعية الوطنية.
وتزيد الاضطرابات الاجتماعية من مخاوف المستثمرين بشأن قدرة الحكومة على تنفيذ خطط خفض الإنفاق، التي تشمل تقليص الإنفاق على المعاشات وتمويل الوزارات باستثناء الدفاع.
وانعكست هذه المخاوف على الأسواق أيضاً، حيث شهدت السندات والأسهم الفرنسية موجة بيع عقب احتجاجات عنيفة تخللتها أعمال شغب ونهب. وتراجع مؤشر "كاك 40" للأسهم الفرنسية 1.4%، وهبطت أسهم بنكين كبيرين، هما "سوسيتيه جنرال" و"بي إن بي باريبا"، بأكثر من 3%.
كما انتقلت الضغوط إلى أسواق أوروبية أخرى، فتراجع مؤشر الأسهم الإيطالية 1.6% والإسبانية 1.9%.
وعلى صعيد سوق الدين، ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 4.94%، مقترباً من أعلى مستوى له في 24 عاماً، ما يزيد كلفة تمويل الحكومة ويضيف أعباء جديدة إلى موازنتها.

كيف تنتقل أزمة فرنسا إلى إيطاليا؟
تحذر "أوكسفورد إيكونوميكس" من أن انتقال اضطرابات سوق السندات الفرنسية إلى اقتصادات أخرى مرتفعة الدين قد يضع إيطاليا تحت ضغط كبير، بسبب ضعف النمو وارتفاع المديونية، إلى جانب تأثر استثمارات الشركات بارتفاع كلفة الاقتراض.
وتطرح المؤسسة سيناريوهين سلبيين، يفترضان ارتفاع كلفة الاقتراض الفرنسي وتراجع ثقة الشركات والمستهلكين. وفي السيناريو المتوسط، يرتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى 250 نقطة أساس، بينما يصل إلى 400 نقطة أساس في السيناريو الأشد خطورة.
وفي الحالة الأخيرة قد يرتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 7% خلال الربع الثاني من 2027، مع توقع تجاوز العجز 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما قد يطلق أزمة سيولة.
وتتوقع المؤسسة دخول فرنسا وإيطاليا في الركود خلال العام نفسه، بينما ترتفع تكاليف الاقتراض في بلجيكا أيضاً، من دون انكماش اقتصادات إسبانيا والبرتغال واليونان.
وحتى في هذا السيناريو، لا يتوقع أن تدخل منطقة اليورو بأكملها في الركود.

ديون فرنسا.. الحلقة المفرغة
تربط مؤسسة "أوكسفورد إيكونوميكس" نجاح فرنسا في احتواء المخاطر الاقتصادية بمدى قدرتها على تمرير موازنة موثوقة تستهدف خفض العجز، مع تقديم تعهدات صريحة بضبط الإنفاق على المدى المتوسط.
وفي السياق ذاته، يترقب المستثمرون خفض عجز موازنة 2027 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، محذرين من أن أي تراجع عن هذا الطموح سيضعف الثقة في السندات السيادية الفرنسية.
غير أن الحكومة الحالية تعاني من تحديات في الالتزام بخطط التقشف بعيدة المدى، ما يهدد بترحيل القرارات الأكثر قسوة إلى الإدارة القادمة.
وتخلص التقديرات إلى التحذير من الوقوع في "حلقة مفرغة"؛ فارتفاع تكاليف الاقتراض سيجبر الدولة على إقرار جولات جديدة من تقليص الإنفاق أو رفع الضرائب، وهو ما سيقوّض بدوره وتيرة النمو ويزيد من تعقيد مهمة السيطرة على تنامي الدين العام.