كابلات بحرية (أ ف ب)
كابلات بحرية (أ ف ب)
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 / 15:43

50 مليار دولار للكابلات البحرية.. صراع أمريكي صيني على شرايين الاقتصاد الرقمي

تتجه الاستثمارات العالمية في إنشاء الكابلات البحرية الجديدة إلى بلوغ نحو 50 مليار دولار خلال الفترة من 2026 إلى 2035، في ظل ارتفاع الطلب على نقل البيانات وتوسع خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع اشتداد المنافسة الأمريكية الصينية على البنية التحتية للاتصالات الدولية، وفقاً لتقديرات شركة الأبحاث الأمريكية "تيلي جيوغرافي".

وتكتسب الشبكات أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي، إذ تنقل أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية، بما يشمل الاتصالات والمعاملات المالية والخدمات الرقمية العابرة للحدود، وفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات.

استثمارات بـ5 مليارات دولار سنوياً
تتوقع "تيلي جيوغرافي" أن يبلغ متوسط الإنفاق على إنشاء الكابلات البحرية الجديدة نحو 5 مليارات دولار سنوياً خلال الفترة من 2026 إلى 2035، بما يعادل استثمارات تراكمية تقدر بنحو 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات، بحسب النموذج التوقعي الذي نشرته الشركة.

ومن المتوقع أن تستحوذ المسارات البحرية داخل آسيا وحدها على نحو 11 مليار دولار من هذه الاستثمارات، مع استمرار توسع الشبكات لتلبية الطلب المتزايد على سعات نقل البيانات، واستبدال الكابلات القديمة وتطوير مسارات اتصال إضافية، وفقاً لـ"تيلي جيوغرافي".

وتشير تقديرات الشركة إلى أن الكابلات الجديدة قد تضيف أكثر من 1.01 مليون كيلومتر إلى الشبكات العالمية خلال الفترة نفسها، مقابل احتمال إخراج أكثر من 450 ألف كيلومتر من الكابلات القديمة من الخدمة، بحسب "تيلي جيوغرافي".

واشنطن تشدد القيود الأمنية
لم تعد المنافسة على الكابلات البحرية تقتصر على تكاليف الإنشاء وسعات نقل البيانات، بل امتدت إلى اعتبارات الأمن القومي وملكية الشبكات وموردي المعدات، في ظل المخاوف الأمريكية من نفوذ الجهات المرتبطة بالصين في البنية التحتية للاتصالات، وفقاً لقرارات لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية.

وشددت اللجنة قواعد منح تراخيص إنزال الكابلات البحرية في الولايات المتحدة، مع اعتماد قيود تتعلق بالجهات الخاضعة لسيطرة دول تصنفها واشنطن خصوماً أجانب، والشركات المدرجة على قوائم المخاطر الأمنية، وفقاً للقرار التنظيمي الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وتعكس هذه الإجراءات أهمية التحكم في مسارات نقل البيانات وحماية الشبكات من المخاطر المحتملة، لكنها لا تعني فرض حظر شامل على جميع شركات الكابلات الصينية، إذ تختلف القيود باختلاف الجهة وطبيعة الملكية والتراخيص المطلوبة، بحسب القواعد المنشورة للجنة الاتصالات الفيدرالية.

مشروع "باسيفيك لايت" يكشف أثر القيود
يبرز مشروع "باسيفيك لايت" (Pacific Light Cable Network) مثالاً سابقاً على تأثير الاعتبارات الأمنية في مسارات الكابلات البحرية، بعدما أوصت جهات أمريكية في 2020 بعدم الموافقة على الوصلة المقترحة مع هونغ كونغ، وفقاً لوثائق لجنة الاتصالات الفيدرالية.

وكان المشروع يستهدف ربط الولايات المتحدة بعدة وجهات آسيوية، بينها تايوان والفلبين وهونغ كونغ، قبل أن تؤدي الاعتراضات الأمنية إلى استبعاد الربط المباشر مع هونغ كونغ من الترتيبات التي حصلت على الموافقات الأمريكية، بحسب اللجنة.

وتوضح هذه السابقة كيف يمكن للاعتبارات التنظيمية والجيوسياسية أن تؤثر في تصميم مشاريع الاتصالات العابرة للمحيطات، إلى جانب العوامل التجارية والتقنية.

"غوغل" تطور مسارات بديلة في آسيا
أعلنت "غوغل" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 مشروع الكابل البحري "تالاي لينك" (TalayLink)، لربط أستراليا بتايلاند عبر المحيط الهندي، من خلال مسار يقع غرب مضيق سوندا، بهدف تعزيز تنوع مسارات الاتصالات وموثوقيتها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وفقاً لبيان الشركة.

ويتضمن المشروع تطوير مراكز اتصال جديدة في غرب أستراليا وجنوب تايلاند، بما يدعم ربط مراكز البيانات والخدمات السحابية وشبكات الذكاء الاصطناعي، ويحد من الاعتماد على الممرات البحرية المزدحمة.

وحصل المشروع على موافقة تنظيمية في تايلاند خلال 2026، في خطوة تستهدف تعزيز دور البلاد مركزاً إقليمياً للاتصالات الرقمية، وفقاً للجهات الحكومية التايلاندية.

مشروع آسيوي بتكلفة 700 مليون دولار
تعمل شركة "إنليغو نتوركس" الأسترالية على تطوير مشروع "آسيا كونيكت" (Asia Connect Cable-1)، المعروف اختصاراً باسم "ACC-1"، بتكلفة تقديرية تبلغ 700 مليون دولار، وفقاً للبيانات المنشورة عن المشروع.

ويستهدف الكابل، الذي يمتد لنحو 18 ألف كيلومتر، ربط دول في جنوب شرق آسيا بأستراليا وغوام والولايات المتحدة، عبر شبكة تشمل سنغافورة وإندونيسيا والفلبين وتيمور الشرقية، بحسب المعلومات المنشورة عن المشروع.

ويمثل تنويع مسارات الكابلات أحد الخيارات المتاحة لمشغلي الشبكات للحد من مخاطر الاعتماد على ممرات بحرية محددة، لكنه قد يتطلب استثمارات إضافية في محطات الإنزال والتراخيص والبنية التحتية المرتبطة بها.

مشاريع تتجاوز 16 مليار دولار حتى 2029
تقدر "تيلي جيوغرافي" قيمة مشاريع الكابلات البحرية الجديدة المخطط دخولها الخدمة بين 2026 و2029 بأكثر من 16 مليار دولار، في مؤشر إلى تسارع الاستثمارات في البنية التحتية لنقل البيانات، وفقاً لتحديث الشركة لعام 2026.

ومن المتوقع أن تستحوذ المشاريع داخل آسيا على أكثر من 3.7 مليار دولار من هذه القيمة، مقابل أكثر من 3 مليارات دولار للمشاريع العابرة للمحيط الهادئ، مدفوعة باستثمارات تقودها شركات تكنولوجيا كبرى، بينها "غوغل" و"ميتا"، بحسب "تيلي جيوغرافي".

وتؤكد الشركة أن هذه التقديرات تشمل مشاريع معلنة لم تدخل جميعها مرحلة التشغيل، مع احتمال تأجيل بعضها أو عدم تنفيذها، ولذلك لا تمثل المبالغ المذكورة إنفاقاً تحقق بالفعل.

607 كابلات عاملة حول العالم
تضم قاعدة البيانات التفاعلية لشركة "تيلي جيوغرافي" لعام 2026 نحو 607 أنظمة كابلات بحرية عاملة، إضافة إلى 102 نظام مخطط له، بإجمالي 709 أنظمة، وفقاً لأحدث البيانات التي نشرتها الشركة.

وتشمل هذه الإحصاءات أنظمة الاتصالات البحرية المعروفة علناً، ولا تتضمن الكابلات المخصصة حصرياً لنقل الكهرباء أو الأبحاث أو الاستخدامات الحكومية الخاصة، بحسب المنهجية المنشورة لدى "تيلي جيوغرافي".

أكثر من 170 عملية إصلاح خلال عام
رغم أهميتها الاقتصادية، تواجه الكابلات البحرية مخاطر تشغيلية مستمرة، إذ سُجلت أكثر من 170 عملية إصلاح حول العالم خلال 2025، وفقاً لبيانات اللجنة الدولية لحماية الكابلات التي نشرها الاتحاد الدولي للاتصالات.

وترتبط غالبية الأعطال العرضية بأنشطة الصيد ومراسي السفن، إلى جانب عوامل طبيعية وأعطال تقنية، ما يبرز الحاجة إلى تنويع مسارات الاتصالات وتحسين إجراءات الحماية والصيانة، بحسب اللجنة الدولية لحماية الكابلات.

ويشير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن تعطل الكابلات البحرية قد يؤثر في استمرارية الخدمات المالية والتجارية والحكومية، نظراً إلى اعتماد الاقتصاد الرقمي على اتصالات دولية مستقرة ومرتفعة السعة.

منافسة تتجاوز التكنولوجيا
تضع الاستثمارات المتوقعة شركات التكنولوجيا والاتصالات أمام معادلة تجمع بين التوسع في السعات الرقمية، وارتفاع تكاليف إنشاء المسارات الجديدة، ومتطلبات الأمن والامتثال التنظيمي، في وقت تتزايد فيه أهمية الكابلات البحرية بوصفها بنية تحتية حيوية للاقتصاد العالمي.

ومع توقع إنفاق نحو 50 مليار دولار على الشبكات الجديدة حتى 2035، يتجه التنافس على الكابلات البحرية إلى اكتساب أبعاد اقتصادية واستراتيجية أوسع، فيما سيظل تنفيذ المشاريع المعلنة مرهوناً بالتمويل والتراخيص والجدوى التجارية، وفقاً لتقديرات "تيلي جيوغرافي" والقواعد التنظيمية الأمريكية.