القمح المصري (بيكسلز)
القمح المصري (بيكسلز)
الخميس 29 أكتوبر 2026 / 21:26

مصر تراهن على الفلاح لتوفير الدولار.. هل تنجح في تقليص فاتورة استيراد القمح؟

في مسعى لتعزيز الإنتاج المحلي من القمح وتقليص فاتورة الاستيراد، أعلنت الحكومة المصرية عن حزمة إجراءات تحفيزية للمزارعين، تتصدرها زيادة سعر توريد المحصول للموسم المقبل، في خطوة تستهدف تشجيع التوسع في زراعته وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الاستيراد.

وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إن الحكومة تستهدف رفع سعر توريد أردب القمح (وزن 150 كيلوغراماً) إلى 2650 جنيهاً مصرياً  (47 دولاراً أمريكياً)، مقارنة بـ2500 جنيه في الموسم الحالي، بزيادة تبلغ 6% (ما يعادل 150 جنيهاً للأردب)، وذلك بهدف تشجيع المزارعين على زيادة المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية، وتعزيز الكميات الموردة لصوامع الدولة لتفادي الاستيراد.

خطة "الاكتفاء الذاتي" ومبادرات دعم المزارعين

وتسعى الحكومة المصرية إلى زيادة كميات القمح التي يوردها المزارعون إليها بنسبة 20% سنوياً، للوصول إلى الاكتفاء الذاتي من القمح المستخدم في منظومة التموين والخبز المدعم بحلول 2030، بعدما بلغت الكميات التي تسلمتها الدولة نحو 5 ملايين طن في موسم 2026.

ولتشجيع المزارعين على زيادة الإنتاج، تتضمن مبادرة دعم صغار المزارعين تجهيز مليون فدان للحيازات الصغيرة، إلى جانب خفض تكاليف الميكنة والخدمات الزراعية بنسبة 50%، بما يقلل الأعباء التي يتحملها المزارعون.

مخاوف المخزون وعجز الموازنة

وفي تصريحات خاصة لـ"24"، أكدت الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن هذه الخطوة تأتي في ظل مخاوف من نقص مخزونات الحبوب والغلال الأساسية عالمياً وتأثر سلاسل الإمداد بالتوترات الجيوسياسية المتلاحقة.

وأوضحت  أن ارتفاع أسعار الحبوب يزيد كلفة استيرادها من الخارج، ما يرفع قيمة فاتورة الاستيراد بالدولار ويزيد الضغوط على الموازنة العامة، وهو ما يبرز أهمية زيادة الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية وتأمين الاحتياجات الأساسية.

رؤية برلمانية لمسارات المبادرة

من جانبه، تناول الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب المصري، الدكتور محمد فؤاد، في تصريحات خاصة لـ"24"، الإجراءات المطلوبة لزيادة إنتاج القمح المحلي والتحديات التي تواجه تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وقال إن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي بحلول 2030 يتطلب حزمة متكاملة تبدأ بالإنتاجية الرأسية عبر التوسع في استخدام التقاوي عالية الجودة المعتمدة، بالتوازي مع التوسع الأفقي المستدام.

وأشار فؤاد إلى أن تحقيق هذا الهدف يواجه عدة تحديات، أبرزها محدودية الموارد المائية والحاجة إلى تبني نظم ري حديثة لترشيد الاستهلاك، وتفتت الحيازات الزراعية بما يقلل كفاءة الإنتاج، إلى جانب التغيرات المناخية وتقلبات الطقس التي قد تؤثر في إنتاجية الفدان.

حجم الوفر المحتمل

أما عن مدى قدرة زيادة الإنتاج المحلي على تقليل الاعتماد على الاستيراد وحجم الوفر الدولاري، قال النائب البرلماني: "كل طن قمح يتم إنتاجه محلياً يقتطع مباشرة من كلفة الفاتورة الاستيرادية للدولة؛ وحال نجحت مصر في الحفاظ على معدل نمو التوريد 20% سنوياً، فإنها ستوفر مليارات الدولارات التي كانت تذهب لأسواق الحبوب العالمية".

وأضاف أن تقليص هذه الفجوة يمنح الاقتصاد المصري مرونة أكبر في مواجهة الصدمات الخارجية ويخفف الضغط على النقد الأجنبي داخل القطاع المصرفي.

الإنتاج المحلي مقابل كلفة الاستيراد

وفي تحليله للمقارنة الاقتصادية بين كلفة الإنتاج المحلي واستمرار الاستيراد بعد احتساب تكاليف النقل والتخزين والشراء، قال النائب محمد فؤاد: "حسابياً كلفة الإنتاج المحلي والشراء بالسعر التحفيزي الجديد (2650 جنيهاً للأردب) تظل أقل كلفة وأكثر أماناً للاقتصاد القومي من الاستيراد بالدولار عند احتساب المخاطر الجيوسياسية والتأمين البحري وكلفة الشحن".

واختتم فؤاد تصريحاته موضحاً أن الاستثمار في البنية التحتية المحلية عبر زيادة السعات التخزينية للصوامع وتقليل الهدر في النقل يمثل عائداً رأسمالياً مستداماً، يجعل كلفة الطن المحلي على المدى المتوسط والطويل أدنى من تقلبات الأسعار في البورصات العالمية، فضلاً عن العائد الاجتماعي المتمثل في دعم الفلاح المصري وتشغيل الأيدي العاملة المحلية.