كتلة تحمل رمز عنصر الليثيوم (رويترز)
كتلة تحمل رمز عنصر الليثيوم (رويترز)
الجمعة 6 نوفمبر 2026 / 14:12

منافس جديد في سوق البطاريات.. الصوديوم يزاحم الليثيوم على استثمارات الطاقة

تسجل بطاريات أيونات الصوديوم حضوراً قوياً في سوق الطاقة العالمية، نظراً لانتقالها المباشر من المختبرات والتطبيقات المحدودة إلى التصنيع التجاري وعقد اتفاقيات توريد بأحجام كبيرة، مع دخولها أسواقاً جديدة تشمل السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الكهرباء.

تعكس الاستثمارات اتساع الرهان الصناعي على الصوديوم، باعتباره خياراً يمكن أن يقلل الاعتماد على الليثيوم وبعض المعادن المستخدمة في البطاريات التقليدية، ويتيح تنويع مصادر المواد الخام.

هذه التحركات لا تعني اقتراب نهاية هيمنة الليثيوم، في ظل استمرار تفوقه في كثافة الطاقة، واستفادة صناعته من عقود من الاستثمارات وأحجام التصنيع الضخمة التي أسهمت في خفض تكاليف الإنتاج.

ففي فبراير (شباط) 2026، كشفت شركتا "CATL" الصينية و"Changan" لصناعة السيارات عن أول سيارة مزودة ببطاريات صوديوم ومخصصة للإنتاج التجاري واسع النطاق.

وفي أبريل (نيسان)، وقعت "CATL" اتفاقية لتوريد بطاريات صوديوم بسعة إجمالية تصل إلى 60 غيغاواط/ساعة لشركة "HyperStrong" المتخصصة في تخزين الطاقة، على مدى 3 سنوات.

وتسارعت هذه التحركات خلال سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) 2026، مع إعلان شركة "Highstar Sodium" الصينية اقتراب مصنعها الجديد في مقاطعة سيتشوان من بدء الإنتاج، بطاقة سنوية تبلغ 6 غيغاواط/ساعة، إلى جانب اتفاقية توريد لمدة 5 سنوات بين "HiNa Battery" الصينية و"Volta" الكورية الجنوبية، لتوفير بطاريات صوديوم بسعة إجمالية تصل إلى 10 غيغاواط/ساعة.

كما أعلنت شركة "HiTHIUM" تطوير خلية بطارية صوديوم بسعة 785 أمبير/ساعة، ودمجها في نظام لتخزين الكهرباء بسعة 4 ميغاواط/ساعة، مع استهداف بدء الإنتاج والتسليم على نطاق واسع خلال 2027.

رهان الصوديوم الصناعي

ترتكز قوة بطاريات الصوديوم على وفرة العنصر في الطبيعة، فهو يوجد بكميات كبيرة ضمن الأملاح ومياه البحار، ليقدم بديلاً عملياً لليثيوم الذي يعتمد على أنشطة تعدينية معقدة، وتخضع أسعاره لتقلبات العرض والطلب، مع تركيز أنشطة استخراجه ومعالجته في عدد محدود من الدول.

وتوفر تلك التكنولوجيا خيارات تصنيع أوسع، من بينها استخدام الألومنيوم عوضاً عن النحاس في مجمعات التيار، والاستغناء عن الكوبالت والغرافيت والليثيوم في بعض النماذج، ما يسهم في خفض التكلفة الإجمالية للمكونات وتجنب اضطرابات التوريد.

ومع ذلك لا تُغني تقنية الصوديوم كلياً عن المعادن الرئيسة، نظراً لاعتماد تركيبات منها على النيكل والمنغنيز، كما تستلزم أقطابها السالبة استخدام كربون صلب يخضع لعمليات تصنيع متخصصة، إضافة إلى ضعف تطور سلاسل التوريد الخاصة بها وتركز إنتاجها بدرجة كبيرة في الصين.

كثافة الطاقة تحسم المنافسة

على الجانب الآخر، تسجل بطاريات الصوديوم عائقاً رئيساً أمام انتشارها في قطاع السيارات الكهربائية، والمتمثل في محدودية كثافة طاقتها؛ فأحدث ابتكاراتها تكتفي بـ175 واط/ساعة لكل كيلوغرام، متخلفة عن بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP) التي تسجل 205 واط/ساعة، وبطاريات النيكل والمنغنيز والكوبالت (NMC) البالغة 265 واط/ساعة، تبعاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية في تقييمها لعام 2026.

وتتضح الفجوة بين التقنيتين عند مقارنة مدى القيادة، فوكالة الطاقة الدولية تقدّر أن بطاريات الصوديوم توفر مدى يصل إلى 350 كيلومتراً للسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات متوسطة الحجم، مقابل 400 إلى 600 كيلومتر لبطاريات الليثيوم في ظروف الطقس المعتادة.

في المقابل، تتفوق بطاريات الصوديوم في الأجواء المتجمدة، نظراً لاحتفاظ أحدث خلاياها بنحو 90% من سعتها الأصلية عند درجات حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر، متفوقة على تركيبات الليثيوم التقليدية، لا سيما فوسفات الحديد والليثيوم، ما يفتح الباب أمام اعتماد المركبات والمعدات في المناطق الباردة عليها.

وبخلاف السيارات الكبيرة، تشمل أيضاً الأسواق المحتملة لهذه التكنولوجيا المركبات الصغيرة والدراجات الكهربائية ذات العجلتين والثلاث عجلات، إلى جانب أساطيل التوصيل داخل المدن، وهي تطبيقات قد تكون فيها قيود الوزن وكثافة الطاقة أقل حدة مقارنة بالسيارات الأكبر حجماً.

تخزين الكهرباء.. السوق الأوفر حظاً

في الوقت ذاته، تفتح مشروعات الطاقة الشمسية والرياح أفقاً واسعاً أمام انتشار بطاريات الصوديوم؛ لأن معايير الوزن والحجم تقل أهميتها نسبياً في تطبيقات تخزين الكهرباء، لصالح عوامل أكثر حساسية كالتكلفة ومستويات الأمان وطول العمر التشغيلي، خلافاً لما يتطلبه قطاع السيارات.

وتبرز "CATL" الصينية بين الشركات الداعمة للتطبيق التجاري لهذه التقنية، بعد توقيعها عقد توريد يمتد لثلاث سنوات مع شركة "HyperStrong" المتخصصة في تخزين الطاقة، لتزويدها ببطاريات صوديوم إجمالي سعتها 60 غيغاواط/ساعة.

وفي يونيو (حزيران)، كشفت الشركة عن نظام "TENER Sodium" لتخزين الكهرباء، بسعة أصلية تتجاوز 30 ميغاواط/ساعة للنظام الواحد، وأعلنت أن الشحنات التراكمية المستهدفة ستصل إلى 1 غيغاواط/ساعة بنهاية 2026، مع بدء تسليم أول الأنظمة للعملاء في الصين خلال سبتمبر (أيلول)، على أن تبدأ عمليات التسليم للأسواق العالمية في يونيو (حزيران) 2027.

اكتشاف احتياطيات ليثيوم هائلة بقيمة 65 مليار دولار تزود أمريكا بالطاقة لقرون - موقع 24في اكتشاف يعيد رسم خريطة الطاقة عالمياً، أعلن علماء من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عن وجود احتياطيات هائلة من الليثيوم مدفونة تحت جبال...

الصوديوم ينافس.. والليثيوم يحتفظ بالصدارة

ولا تبدو بطاريات الصوديوم مرشحة لمنافسة الليثيوم في جميع الاستخدامات بالوتيرة نفسها، خاصة أن حجم إنتاجها لا يزال محدوداً للغاية. فبيانات وكالة الطاقة الدولية تظهر أن إنتاجها خلال 2025 لم يتجاوز 1% من إنتاج بطاريات الليثيوم عالمياً، بينما تمثل الطاقة الإنتاجية للمشروعات المعلنة حتى 2030 جزءاً محدوداً فقط من الطاقة الإنتاجية المخطط لها لبطاريات الليثيوم.

ويصعب على الشركات الجديدة مجاراة صناعة الليثيوم التي تمتلك قاعدة تصنيع واسعة، واستثمارات متراكمة مكنتها من تحسين كفاءة الإنتاج وخفض الأسعار، لا سيما في بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم.

أما في المعدات الصناعية، فتخضع بطاريات الصوديوم لاختبار عملي تجريه شركة "يونغهاينريش" الألمانية على 6 رافعات شوكية في 3 مواقع تابعة لعملائها، لتقييم أدائها في ظروف التشغيل الفعلية.

وتظهر قيمة التجربة في اختلاف طبيعة استخدام البطاريات بين الرافعات والسيارات؛ فالوزن الثقيل للبطارية، الذي يمثل عائقاً أمام استخدامها في السيارات، يساعد الرافعات على تحقيق الاتزان أثناء رفع الأحمال، لكنه يظل عيباً في المعدات الصغيرة التي تحتاج إلى بطاريات خفيفة ومدمجة.

ومن المرجح أن تتعايش التقنيتان في صناعة البطاريات، مع اختلاف الأسواق التي تخدمها كل منهما؛ فالليثيوم يلبي احتياجات التطبيقات التي تتطلب كثافة طاقة ومدى تشغيل أكبر، بينما يجد الصوديوم فرصاً في تخزين الكهرباء والمعدات الصناعية وبعض المركبات الصغيرة، حيث تتقدم اعتبارات توافر المواد الخام والأداء في درجات الحرارة المنخفضة.