الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (أ ف ب)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (أ ف ب)
الخميس 5 نوفمبر 2026 / 17:07

كيف خذلت "عقلية التاجر" ترامب في انتخابات الكونغرس؟

حين صدر كتاب "ترامب: فن الصفقة" (Trump: The Art of the Deal) عام 1987، وهو من تأليف الصحفي توني شوارتز بالتعاون مع رجل الأعمال والعقارات "وقتئذ" دونالد ترامب، أشار إلى الكتاب باعتباره أحد أكثر إنجازاته التي يفخر بها، ثم كشفت ممارسة الرئيس الأمريكي للسياسة لاحقاً امتداداً لمفاهيم "فن الصفقات" والتي حقق من خلالها مكاسب متنوعة لكنها خذلته بشدة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي 2026.

يجمع كتاب "ترامب: فن الصفقة" بين السيرة الذاتية ونصائح الأعمال، وقد تصدر قائمة "نيويورك تايمز" للكتب الأكثر مبيعاً، وظل في المركز الأول لمدة 13 أسبوعاً، بينما استمر وجوده في القائمة ككل لمدة 48 أسبوعاً.

ووصف ترامب هذا الكتاب بأنه كتابه المفضل الثاني (بعد الكتاب المقدس). في المقابل، وصف توني شوارتز مشاركته في كتابة هذا العمل بأنها "أكبر ندم في حياته بلا شك"، كما أكد كل من شوارتز وناشر الكتاب، هوارد كامينسكي، أن ترامب لم يشارك بأي دور في عملية الكتابة. ومن جانبه، قدم ترامب روايات متضاربة حول مسألة تأليف الكتاب.

ولم يمنع هذا التضارب الرئيس ترامب من تبني مفاهيم "فن الصفقة"،  حيث تُختزل الصراعات الدولية والتحالفات الحزبية والسياسات الاقتصادية في مجرد مساومات ثنائية تدار بضغط خارجي وبحث دؤوب عن "مكاسب سريعة" وقصيرة الأجل.

ومن هذا المنطلق، أدخل ترامب نموذج "رجل الأعمال والمفاوض العقاري" إلى صلب البيت الأبيض. ورغم أن هذا النمط يحقق أحياناً اختراقات سريعة ونتائج ملموسة عبر الصدمات والتفاوض المباشر، إلا أنه يواجه انتقادات واسعة باعتبار أن العلاقات الدولية وتوازن القوى الداخلي يختلفان عن صفقات العقارات، فالسياسة تعتمد أيضاً على الثقة طويلة الأجل، والمبادئ والقيم المؤسسية، والتحالفات المستقرة التي لا تخضع دائماً لمنطق البيع والشراء.

وقد حققت "عقلية الصفقات" لترامب مكاسب سياسية متفرقة وجذبت قاعدة جماهيرية واسعة، إلا أن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (نوفمبر 2026) كشفت عن حدود هذه الفلسفة، إذ انقلبت الأدوات التفاوضية التي اعتمد عليها إلى عبء اقتصادي وسياسي كبد الحزب الجمهوري خسارة تاريخية وسيطرة ديمقراطية على مجلسي النواب والشيوخ.

الرسوم الجمركية والفيتو.. هل يستطيع الديمقراطيون تقويض ترامب؟ - موقع 24قال خبراء في التجارة والقانون إن الفوز الكاسح للديمقراطيين، وتحقيقهم الأغلبية في مجلسي الكونغرس، منحهم مساحة واسعة للتدقيق في سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارية، لكنهم لن يتمكنوا رغم ذلك من تجاوز حق النقض (الفيتو)، الذي قد يستخدمه لإبطال أي تشريع يستهدف إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها، ...

الرسوم الجمركية.. ارتداد عكسي

حين أعلن ترامب عن سلسلة من الرسوم الجمركية على الواردات في الثاني من أبريل (نيسان) 2025 لتقليص العجز التجاري، وصف اليوم بأنه "يوم التحرير". كان منطق ترامب التجاري يقضي بفرض رسوم جمركية حادة وغير مسبوقة باعتبارها "هراوة تفاوضية" لإرغام الشركاء والخصوم على التنازل. أدت هذه الرسوم الجمركية، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الانتقامية من دول أخرى، إلى انهيار فوري لسوق الأسهم الأمريكية، والتهديد بحروب تجارية مع شركاء رئيسيين، مثل الصين وكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي.

وتجاهل ترامب في نظرته إلى التجارة الدولية بعيون "تاجر العقارات" طبيعة الاقتصاد الكلي المترابط، إذ لم يتحمل الشركاء الأجانب تكلفة الرسوم وحدهم كما روجت الإدارة الأمريكية، بل انتقلت التكلفة المباشرة إلى المستهلك الأمريكي في صورة ارتفاع بأسعار السلع والتجزئة والبنزين. وعشية انتخابات التجديد النصفي، أظهرت استطلاعات الرأي أن الناخبين يشعرون بالآثار الاقتصادية المؤلمة جراء ارتفاع أسعار الوقود وفواتير البقالة بشكل لم يشهدوه منذ عقدين.

وهنا، وجد الناخب المستقل في صناديق الاقتراع فرصة لمعاقبة "نهج الصفقات الجمركية"، بعدما تحولت أدوات الضغط إلى تآكل متواصل في قدرته الشرائية، وهو ما جعل شعار "القدرة على تحمل التكاليف" المحرك الأساسي للفوز الساحق للديمقراطيين.

مقايضات التصعيد العسكري وسوق الطاقة

في الملفات الخارجية، تعامل ترامب مع التصعيد العسكري (مثل حرب إيران وتوترات خطوط الإمداد) بعقلية رفع السقف إلى الأقصى لفرض شروط جديدة للتفاوض. وأدى هذا النهج والتصعيد في الشرق الأوسط إلى اضطراب أسواق النفط وقفزات في أسعار الوقود محلياً قبل الانتخابات مباشرة.

وأقر ترامب نفسه عقب إعلان النتائج بأن التصعيد والارتباك في ملف الحرب والارتفاع الناجم عنه في أسعار الطاقة، كانا سبباً رئيساً في معاقبة الناخبين للمرشحين الجمهوريين. فالجمهور الأمريكي لم ير "صفقة سريعة" أو استقراراً، بل لمس عدم يقين اقتصادي مستمر.

حرب إيران وهزيمة الجمهوريين تضعان ترامب وفانس على طرفي النقيض - موقع 24في أعقاب الخسارة الانتخابية التي مُني بها الحزب الجمهوري، تفجرت أزمة سياسية داخل الإدارة الأمريكية، عقب خروج جي دي فانس، نائب الرئيس دونالد ترامب، بتغريدة على منصة "إكس"، ألقى فيها بمسؤولية الهزيمة بالكامل على عاتق "الحرب في إيران"، متجاهلاً غضب الشارع من ارتفاع تكاليف المعيشة.

الحزب "امتياز تجاري" 

وعلى الصعيد الداخلي، أمضى ترامب أكثر من 10 سنوات في إعادة تشكيل الحزب الجمهوري ليتمحور حول حركته "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، وأدار الحزب الجمهوري كأحد أنظمة منح امتيازات (Franchise)، حيث ارتبط تقديم الدعم للمرشحين بالولاء الشخصي له وتبني أجندته التجارية دون النظر إلى خصوصية الدوائر الانتخابية وتنوعها. وفضل ترامب مراراً الموالين له ومن يتبنون توجهاته السياسية على جمهوريين يتمتعون بشبكات دعم أقوى على مستوى الولايات وأثبتوا قدرتهم على الفوز في الانتخابات، مراهناً على أن تأييده لهم يمكن أن يتغلب على نقاط ضعفهم السياسية.

وأدت هذه السياسة إلى تقديم مرشحين متطرفين في موالاتهم لأجندته على حساب جمهوريين معتدلين. وعندما تصاعد استياء الناخبين المستقلين من سياسات الصفقات، سقط أولئك المرشحون في الولايات المتأرجحة، مما تسبب في خسارة الجمهوريين مقاعد كانت محسومة سابقاً في مجلس الشيوخ والنواب. وخسر جميع المرشحين المدعومين من ترامب في ولايات ساوث كارولاينا ونورث كارولاينا وتكساس وميشيغان، حيث أظهرت النتائج أن قواعد الحزب الناخبة والجمهور العام يرفضون اختزال المؤسسات الدستورية في علاقات قائمة على المبايعة والتفاوض الفردي.

أثبتت انتخابات الكونغرس أن "عقلية التاجر" قد تنجح في تصفية صفقات عقارية أو حصد مكاسب تفاوضية سريعة، لكنها تعجز عن إدارة دولة بحجم الولايات المتحدة أو بناء استراتيجيات جيوسياسية طويلة الأجل. لقد تبين للناخب أن "الصفقات" الموعودة  أدت إلى غلاء المعيشة، واضطراب الأسواق، واستقطاب سياسي غير مسبوق، ليأتي الرد الديمقراطي الحاسم بإعادة رسم الخريطة السياسية في واشنطن وتكبيل قدرة البيت الأبيض التشريعية حتى عام 2029. ولتتأكد القناعة التقليدية التي سادات في انتخابات تلو الأخرى خلال العقود الماضية، بأن المخاوف الاقتصادية هي العامل المهيمن على خيارات الناخبين، أو بحسب المقولة الشهيرة التي تعود إلى عهد بيل كلينتون "إنه الاقتصاد، يا غبي".

ورغم التسونامي الديمقراطي في الانتخابات النصفية، فربما لن يكون كافياً لدفع ترامب إلى الندم على مفاهيم كتاب "فن الصفقة"، مثلما ندم توني شوارتز على المشاركة في كتابته.