يقول بعض النقاد إنه على غرار "طقاطيق" منيرة المهدية التي أسست جذور الفن الهابط في مصر، في "قمرة يا أمورة.. يا محني ديل العصفورة"، أخذ أوكا وأورتيغا وحسن شاكوش وعمر كمال وحمو بيكا وغيرهم الأغنية العربية، إلى هاوية التراث الفني.

وعلى الرغم من الجماهيرية التي يحظى بها هذا النوع من الفنون الموسيقية، إلا أن المهرجانات وغيرها من أغاني "الراب"، سعت في محاولة غير مقصودة لنفي الجهد الذي بذله عرابو الفن لتأريخ الأغنية العربية.

فإذا ما قرأنا الواقع ونحن نستمعُ إلى أغاني الراب أو المهرجانات، كأنماط موسيقية تمثل الهوية العربية، سنحظى بمشاهدة حصرية لاندثار الهوية، ومحاولة لتخريب الذائقة الفنية العربية.

أنتِ بسكوتاية مقرمشة.. الغزل على طريقة المهرجانات 

 توشك أغنية حسن شاكوش وحمادة مجدي "أنتِ بسكوتاية مقرمشة"، على حصد مئتي مليون مشاهدة، فيما تحتوي غزليات هابطة، وتدنّي من قيمة الكثير من التسميات، عدا عن حالة الصخب التي تحظى بها هذه الأغنية وأمثالها، في محافل ومناسبات الكثيرين.

وعلى سبيل المثال، حققت أغنية "شقلطوني ببحر بيرة"، لحمو بيكا وحسن شاكوش، 71 مليون مشاهدة، رغم احتوائها على ألفاظ جريئة، إذ أبدى رواد المهرجانات تفاعلاً كبيراً معها منذ إطلاقها، وباتوا يتناقلونها كأقوال مأثورة وشعبية.

كما شكلت ريم السواس، وسارة زكريا، حالة فنية مختلفة أيضاً، تتمثل في غنائهم "سولو" لبعض الكوبليهات الموسيقية على المسرح، وأحياناً برفقة الإيقاع العالي، مرفوقاً "بشتائم" يتفاعل معها الجمهور، من مختلف الأعمار.

ومما لا شك فيه أن أغاني الراب، والتي تعرف كنوع من غناء "الهيب الهوب" كان لها نصيب من مسامع الشباب العربي، إذ تركت تأثيراً يردده الكثيرين من دون وعي لحالة غياب الذهن التي يعيشها المستمع، متأثراً بغناء شخص لتجاربه الحياتية على سبيل المثال، والتي في الغالب تروي تجربة عنيفة عايشها أحدهم، ويحاول نقلها بفظاظة للمستمعين. 

التسلسل التاريخي للراب والمهرجانات 

في لقاء مع 24، يتوقف الشاعر الغنائي والناقد الفني طارق هاشم للحظات، ومن ثم يسرد السجل التاريخي للمستمع العربي قائلاً: "كل عصر له سياقاته، وغالباً ما تفرض الظروف المحيطة بالشباب العربي، قالباً غنائياً وفنياً معيناً".

ويعتبر هاشم أن "الفنون جزء من تغيرات كثيرة تتركها التحولات الثقافية العديدة على المجتمع"، مشيراً في حديثه إلى أن "الغناء بمفردات جريئة أو هابطة ليس رهين الواقع فحسب، بل وليد العشرينيات والثلاثينيات"، مثل "أغاني منيرة المهدية على سبيل المثال لا الحصر، التي دعت بشكل مبطن للجرأة في الحب".

الفن.. شكل من أشكال المقاومة 

يزيح هاشم الستار عن الأسباب التي جعلت من المهرجانات أو الراب فنوناً تحظى بجماهيرية واسعة لدى الشباب العربي، فيقول: "الفنون شكل من أشكال المقاومة للظروف، إضافة إلى أنه يعكس تجارب الشباب اجتماعياً وثقافياً ومعرفياً".

ويوضح طبيعة فن الراب قائلاً لـ24: "فن ينشأ بفعل تجارب تحريضية"، معتبراً أن "إطلاق تعبير الفن الهابط على الراب أو المهرجانات فيه إجحاف للتجارب التي تقدمها هذه الأنساق الموسيقية".

الكلمات.. بطل الأغنية 

يكمل هاشم حديثه لـ 24 عن أهمية كلمات الأغاني قائلاً: "دائماً هناك بطل للأغنية، وهو الكلمات، إذ أن "كلمات الأغاني هي من تحدد هبوط الفن، أو عدمه".

ويضيف "ما ينبئ بزوال الفن أو دوامه، الجماهيرية التي يحظى بها، واليوم جماهيرية هذا النوع من الفنون أصبحت واضحة".

ويتابع هاشم "طول ما الفنان عنده شريحة بتسمعه وقادر يعبر عنها، إذاً هذا صك حقيقي بالوجود"، ويسوغ جماهيرية أي فن بقوله "أنا مع الفن الذي له مبررات، أياً كانت سياسية ثقافية، اجتماعية".

الجدير ذكره أن الأغنية الشعبية "المهرجانات" تواجه إسقاطات لكثير من الأنماط المعيشية التي يعيشها الشباب العربي، على الرغم من التنديد الواضح الذي تواجهه هذه الفنون من قبل الكثيرين.

الشباب.. الفئة الأكثر ضرراً 

يعتبر أستاذ الصحة النفسية وعلم الاجتماع طه أبو حسين في حديثه لـ 24 أن "فئة الشباب هم الأكثر تأثراً والأسرع تلقياً لأي نمط غنائي مستجد، استناداً لطاقتهم الاستيعابية الواسعة".

ويرى أبو حسين أن "منبع المعرفة بالنسبة لأفراد الجيل الحالي هو الموبايل والبيانات التي يتم تناقلها عبر وسائل التواصل المختلفة، معتبراً "أن الفن أي الخيار المتاح لهم هو هذا".

ويعزو أبو حسين انسياق الشباب تجاه الذائقة العامة المفروضة عليه بالقول: "قد يستمعوا لهذه الفنون، لكونها النموذج الوحيد المطروح على مسامعهم والخيار الوحيد المفروض عليهم".

ويشير في حديثه لـ 24 إلى أن "أهمية تنوع الفنون، تتيح خيارات أوسع في تنمية الذائقة الفنية لدى المستمع".

ويؤكد أن "اتخاذ الشباب من هذه الأغاني هُوية فنية عربية تمثلهم وتوجهاتهم وأفكارهم، ينبئ بوجود حالة غير صحية مجتمعياً".