انطلقت اليوم الثلاثاء، أعمال قمة أبوظبي للبنية التحتية "أديس 2026"، وسط مشاركة دولية واسعة ضمت نخبة من قادة التطوير، وصناع القرار، والشركاء الاستراتيجيين.
وتأتي هذه القمة لتعكس نجاح أبوظبي في إعادة هندسة مفهوم البنية التحتية، من خلال تحويلها من مجرد "مرافق خدمية" تمثل عبئاً على الميزانية، إلى "أصول استثمارية" سيادية قادرة على استقطاب تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
ويتجسّد هذا التحول الاستراتيجي بوضوح في حجم المحفظة الرأسمالية التي يديرها "مركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية"، والتي تتجاوز قيمتها 200 مليار درهم، وتغطي قطاعات حيوية تشمل الإسكان، والنقل، والرعاية الصحية، والتعليم.
24 مشروعاً استراتيجياً
ومن المقرر أن يتم طرح جزء حيوي من هذه المحفظة عبر 24 مشروعاً استراتيجياً جديداً بنموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) بقيمة تقديرية تبلغ 55 مليار درهم،
ومن شأن طرح هذه المشاريع وضع أبوظبي في صدارة الوجهات العالمية الأكثر تميزاً في تحويل المشاريع الرأسمالية إلى محركات اقتصادية مستدامة، تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار العالمي في "الأصول الصلبة" للإمارة.
ويرى خبراء في الشؤون الاقتصادية أن هذا التوجه يمثل "الثورة الثالثة" في اقتصاد أبوظبي. فبعد مرحلة بناء التأسيس، ومرحلة التوسع العمراني، تأتي اليوم مرحلة "الاستثمار في الأصول القائمة والمستقبلية".
وأكدوا في تصريحات لـ"24"، أن ما تفعله أبوظبي اليوم هو عملية "تسنيد" غير مباشرة للخدمات العامة؛ حيث لم تعد الدولة هي الممول الوحيد للمشاريع، بل أصبحت "المهندس المالي" الذي يصمم فرصاً استثمارية تتيح للصناديق العالمية والقطاع الخاص الدخول كشركاء في العوائد والمخاطر.
واشاروا، إلى أن طرح مشاريع بقيمة 200 مليار درهم تحت مظلة الشراكة يهدف إلى تحقيق هدفين استراتيجيين: الأول هو تخفيف الضغط عن الميزانية العامة وتوجيه السيولة الحكومية نحو قطاعات ابتكارية جديدة، والثاني هو ضمان استدامة وكفاءة إدارة هذه المرافق عبر عقلية القطاع الخاص التي تبحث دائماً عن خفض التكاليف التشغيلية ورفع جودة الخدمة.
ويجمع الخبراء، على أن سر نجاح نموذج أبوظبي يكمن في "القدرة التنبؤية". فالمستثمر الأجنبي، سواء كان صندوقاً سيادياً أو بنكاً استثمارياً، لا يبحث فقط عن ضخامة المشروع، بل عن استقرار التشريعات التي تحكمه على مدى 25 أو 30 عاماً.
ويؤكد الخبراء أن تبني أبوظبي للمعايير العالمية في إدارة العقود يرسل رسالة طمأنة مفادها أن الاستثمار في البنية التحتية محمي بنظام حوكمة عالمي، مما يقلل من "علاوة المخاطر" ويزيد من تدفق السيولة الأجنبية التي تبحث عن عوائد طويلة الأمد ومستقرة في بيئة آمنة.
وقال المهندس مارك هيربرت، إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في مشاريع البنية التحتية بأبوظبي رفع من قيمتها السوقية بنسبة تتراوح بين 15% إلى 20% مقارنة بالمشاريع التقليدية.
ويرى هيربرت ،أن مثل هذه المشاريع تتيح للمستثمرين استشراف الاحتياجات المستقبلية للصيانة والتشغيل، مما يرفع من صافي الأرباح التشغيلية لهذه الأصول.
وأوضح أنه وعلى عكس كل التوقعات التي ترى في الاستدامة عبئاً مالياً، فقد ثبت أنها "منجم ذهب" للمستثمرين.
ولا تقتصر المناقشات في القمة على قطاع النقل؛ بل تشمل "البنية التحتية الاجتماعية" كقطاع نمو جديد. فمحفظة الـ200 مليار درهم تضم مشاريع طموحة في قطاعات التعليم والصحة، والتي يتم طرحها بنماذج استثمارية تتيح للقطاع الخاص البناء والتشغيل مقابل رسوم خدمة طويلة الأمد.
وبحسب العديد من الدراسات البحثية فقد بات مفهوم "العقارات الصحية" هو التطور القادم؛ حيث تراهن أبوظبي على أن المدن التي توفر جودة حياة فائقة ستكون الأكثر جذباً للمواهب العالمية، مما ينعكس مباشرة على القيمة السوقية للأصول العقارية ويخلق دورة اقتصادية متكاملة.
منصة تداول
خلاصة القول ،إن قمة "أديس 2026" تضع النقاط على الحروف في مسيرة أبوظبي الاقتصادية؛ فهي ليست مجرد تجمع تقني، بل هي "منصة تداول" لأصول استراتيجية بمليارات الدراهم.
وبناءً على آراء الخبراء، فإن نجاح أبوظبي في تحويل البنية التحتية إلى محفظة استثمارية عابرة للحدود هو الضمانة الحقيقية لاستدامة الرخاء الاقتصادي، وتأكيداً على أن الإمارة جعلت من المستقبل "أصلاً مالياً" متاحاً للاستثمار العالمي، بما يرسخ مكانتها كعاصمة عالمية للاستثمارات الرأسمالية الذكية.