تُعيد شركة صن ريف لليخوت رسم خريطة صناعة اليخوت الفاخرة عالمياً، ليس فقط عبر تصميم قوارب متعددة الهياكل فائقة الفخامة، بل من خلال بناء نموذج صناعي جديد يربط بين الابتكار الأوروبي والطموح الصناعي الإماراتي، في وقت تتجه فيه صناعة الرفاهية البحرية نحو مرحلة مختلفة عنوانها التكنولوجيا والاستدامة والتخصيص الكامل.
حققت الشركة في 2025 نمواً بـ10% وإيرادات قوية مع صافي أرباح بلغ 40 مليون يورو، ما عزز مكانتها بين أكبر شركات اليخوت الفاخرة متعددة الهياكل عالمياً
ففي أقصى شمال الإمارات، وتحديداً على ساحل رأس الخيمة، تعمل فرق تضم مهندسين ومصممين وحرفيين من عشرات الجنسيات على تصنيع بعض أكثر اليخوت الفاخرة تطوراً في العالم، داخل منشأة ضخمة أنشأتها الشركة البولندية لتكون إحدى أهم قواعدها الإنتاجية عالمياً، في خطوة تعكس التحول الذي تشهده الإمارات نحو ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للصناعات المتقدمة والتصنيع عالي القيمة.
بداية إمبراطورية اليخوت
وراء هذه القصة يقف رجل الأعمال الفرنسي فرانسيس لابت، الذي بدأ مسيرته المهنية بعيداً تماماً عن عالم اليخوت؛ ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عمل فرانسيس في مجالات الطاقة الكهربائية والإنشاءات الصناعية، قبل أن يتجه إلى تأسيس أعماله الخاصة في بولندا، مستفيداً من التحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها البلاد بعد انهيار الكتلة الشرقية.
وجاءت نقطة التحول الحقيقية من شغفه بالإبحار، فبعد دخوله عالم القوارب الشراعية الصغيرة، ثم امتلاك يخوت أكبر في مدغشقر واستخدامها لأغراض سياحية وتأجيرية بالمحيط الهندي، اكتشف فرانسيس فجوة واضحة في السوق العالمية، بأنه لم تكن هناك يخوت متعددة الهياكل تجمع بين الفخامة، والمساحات الواسعة، والأداء العالي.
ومن هنا وُلدت فكرة تأسيس صن ريف لليخوت في عام 2002 في مدينة غدانسك البولندية، داخل حوض سفن مغلق على ساحل البلطيق، في خطوة اعتبرها كثيرون آنذاك مغامرة غير مضمونة.

رهان مبكر غيّر صناعة اليخوت
في وقت كانت فيه غالبية صناعة اليخوت العالمية تعتمد على اليخوت أحادية الهيكل التقليدية، قررت الشركة التركيز على "الكاتاماران" متعددة الهياكل، وهي فئة توفر مساحات أكبر وثباتاً أعلى وتجربة أقرب إلى الفيلا العائمة.
وفي عام 2003، أطلقت الشركة أول يخت كاتاماران فاخر عابر للمحيطات مزود بسطح علوي مفتوح، وهو إطلاق اعتُبر نقطة تحول في فلسفة تصميم اليخوت متعددة الهياكل.
ومنذ ذلك الوقت، تحوّلت الشركة تدريجياً إلى أحد أبرز الأسماء العالمية في قطاع اليخوت الفاخرة المخصصة بالكامل، مع سلسلة طويلة من الابتكارات التقنية، من بينها:
- أول كاتاماران بمحرك مزدوج الطابق قادر على الإبحار لمسافات محيطية.
- أول يخت كربوني فائق الفخامة متعدد الهياكل.
- تطوير أنظمة أشرعة كربونية عملاقة.
- إدخال تقنيات الدفع الكهربائي والهجين.
- تطوير ألواح شمسية مدمجة داخل هيكل اليخت نفسه.

الإمارات.. مركز تصنيع عالمي
ورغم أن الشركة بنت سمعتها في أوروبا، فإن التحوّل الأكبر في استراتيجيتها جاء مع التوسع في دولة الإمارات، فعوضاً عن الاكتفاء بمكاتب تمثيلية أو صالات عرض كما تفعل كثير من العلامات الأوروبية الفاخرة، قررت "صن ريف" إنشاء منشأة إنتاج متكاملة في رأس الخيمة تمتد على مساحة 65 ألف متر مربع.
وتوظف المنشأة أكثر من 1500 عامل ومتخصص من أكثر من 20 جنسية، فيما تدعمها قاعدة تجارية ثانية في دبي داخل نخلة جميرا.
وفي الداخل، تبدو المنشأة أقرب إلى مزيج بين مصنع طائرات فاخر وورشة تصميم معمارية متقدمة، حيث تُشكَّل الهياكل المركبة باستخدام تقنيات دقيقة ومواد متطورة، بينما تُصنع المقصورات الداخلية وفق معايير تضاهي أفخم الوحدات السكنية الفاخرة.

وبحسب الشركة، فإن اختيار الإمارات لم يكن قراراً جغرافياً فحسب، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى الاقتراب من أسواق الخليج وآسيا في آن واحد؛ ففي حديثها لـ"24"، أكدت لورا فيسييه برو، مديرة العلاقات العامة في شركة صن ريف لليخوت، أن السبب وراء اختيار الإمارات، ورأس الخيمة تحديداً، هو أن تكون الشركة أقرب إلى عملائها في دول الخليج لتوسيع هذا السوق واستكشافه، وكذلك الاقتراب أكثر من العملاء في آسيا التي تمثل سوقاً ضخماً بالنسبة لهم.
وأضافت: "الإمارات اليوم هي المركز؛ فهي تقع في وسط العالم، بين أوروبا وآسيا، وهي النقطة الأقرب لخدمة أسواق أستراليا أيضاً".
صناعة متفردة
ورغم التوسع الكبير، لا تزال الشركة تعتمد على تصنيع كل يخت وفق طلب خاص بالكامل، بدلاً من الإنتاج المتكرر؛ فكل يخت يمثل مشروعاً مستقلاً يعكس شخصية المالك، سواء من حيث التصميم الداخلي أو أنظمة الترفيه أو الأداء البحري أو حتى المتطلبات الهندسية شديدة الخصوصية.
وفي أحد المشاريع، طلب عميل تصميم يخت شراعي قادر على المرور أسفل جسر محدد الارتفاع، ما دفع الشركة إلى تطوير سارية كربونية قابلة للانحناء بزاوية 90 درجة.
هذه القدرة على تنفيذ أفكار غير تقليدية أصبحت جزءاً من هوية العلامة التجارية.

سوق جديد للأثرياء الشباب
التغيرات التي يشهدها سوق اليخوت العالمي لعبت أيضاً دوراً محورياً في صعود الشركة؛ ففي الماضي، كان اقتناء اليخوت مرتبطاً بصورة نمطية عن الثراء التقليدي، لكن السوق اليوم يشهد دخول جيل جديد من العملاء الأصغر سناً، ممن يهتمون بالأداء والتكنولوجيا والاستدامة بقدر اهتمامهم بالفخامة.
ولهذا السبب، اتجهت الشركة إلى تطوير فئة ULTIMA، التي تمزج بين سرعة اليخوت أحادية الهيكل واستقرار الكاتاماران، مع مساحات معيشية ضخمة؛ ويستطيع يخت ULTIMA 88 الوصول إلى سرعة 26 عقدة بحرية، مع الحفاظ على تصميمات داخلية مفتوحة ومساحات ترفيهية واسعة.
ومن بين المشترين الأوائل لهذا الطراز لاعب التنس الإسباني كارلوس ألكاراز، في إشارة إلى التحول الذي يشهده قطاع اليخوت الفاخرة نحو جمهور أصغر سناً وأكثر اهتماماً بالتجارب الحديثة.
كما سبق أن تعاقد لاعب التنس رفاييل نادال على يخت من الشركة، فيما أصبح بطل الفورمولا 1 السابق نيكو روزبرغ سفيراً لعلامتها البيئية، وكذلك السائق الإسباني فرناندو ألونسو.

صناعة "الصفر انبعاثات"
تكمن قوة "صن ريف" في تحويل المفهوم النظري للاستدامة إلى واقع تقني ملموس داخل ورشها في الإمارات:
- تصنيع المكونات المستدامة: الشركة لا تقوم بالتجميع فقط، بل تصنع أجزاءً وهياكل متطورة "صفر انبعاثات" باستخدام مواد خفيفة الوزن وتقنيات بناء صديقة للبيئة.
- تقنية "الجلد الشمسي" (Solar Skin): دمج الخلايا الشمسية في جسم اليخت وساريته لتوليد طاقة نظيفة تكفي لتشغيل كافة الأنظمة الملاحية والمعيشية.
- الدفع الكهربائي والهيدروجيني: الاعتماد على محركات صامتة تماماً تنهي عصر الضجيج والتلوث، وتفتح الباب أمام استقلالية طاقية كاملة في أعالي البحار عبر تقنية توليد الطاقة من حركة المياه (Hydrogeneration).
وتشير الشركة إلى أن أكثر من نصف مشاريعها الحالية أصبحت ضمن الفئة البيئية، في مؤشر على تغير واضح في توجهات السوق العالمية.
سباق نحو المليار يورو
وفي إطار خطتها المستقبلية، كشفت صن ريف عن استراتيجية "Beyond 2030"، التي تستهدف رفع الإيرادات السنوية إلى مليار يورو بحلول عام 2030.
وحققت الشركة خلال 2025 نمواً بنسبة 10% في الإيرادات، مع صافي أرباح بلغ 40 مليون يورو، ما عزز مكانتها بين أكبر أحواض بناء اليخوت متعددة الهياكل الفاخرة في العالم.
كما أطلقت برنامج توسع صناعي بقيمة 30 مليون يورو يشمل منشآتيها في بولندا والإمارات.
وفي رأس الخيمة، ستتم إضافة وحدات جديدة لإنتاج المواد المركبة وتقنيات CNC، إلى جانب توسيع ورش النجارة وتطوير البنية اللوجستية، على أن تدخل الخدمة بالكامل بحلول صيف 2026.
أما في غدانسك البولندية، فتجري حالياً أعمال إنشاء قاعة إنتاج جديدة بطول 160 متراً لزيادة الطاقة التصنيعية وتحسين الكفاءة التشغيلية.
