تحبس أسواق السلع أنفاسها ترقباً لمسار الذهب "XAU/USD" فيما تبقى من مايو (أيار) الجاري، حيث يمر المعدن النفيس بمنعطف حرج يضعه أمام اختبار حقيقي للتماسك بفعل ضغوط تقنية وموجة تصحيح هابطة، وذلك بعد "رالي" صعودي استثنائي قاده لتسجيل قمة تاريخية غير مسبوقة عند 5,589 دولاراً للأوقية أواخر يناير (كانون الثاني) 2026.

وجاءت موجة التراجع التي يشهدها الذهب مدفوعة بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وقوة الدولار، إلى جانب تزايد التكهنات بشأن المسار المتشدد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

تشريح المشهد الفني

ويقف المتداولون والمؤسسات الاستثمارية الكبرى في أسواق الذهب أمام لوحة تحكم فنية شديدة الحساسية، وتظهر البيانات الرسمية لأسواق السلع والتقارير الفنية الصادرة من "فوركس دوت كوم" و"لايت فاينانس" أن السعر الفوري للأوقية يكافح للحفاظ على توازنه فوق منطقة الـ 4,500 دولار، بعد أن تعرض لضغوط هبوطية متتالية انطلاقاً من مناطق 4,700 دولار المسجلة في الأسابيع الماضية.

أسعار الذهب تنخفض بعد ارتفاع عوائد السندات الأمريكية - موقع 24انخفضت أسعار الذهب بنحو 2% اليوم الثلاثاء، في ظل ارتفاع الدولار ​واستمرار المخاوف من التضخم، مما أبقى توقعات رفع ‌أسعار الفائدة وعوائد سندات الخزانة عند مستويات مرتفعة.

وفقاً للقراءة التحليلية لحركة سعر المعدن الأصفر، يجمع الخبراء على أن النطاق الراهن يمثل منطقة حياد مضطربة، ويكمن التهديد الحقيقي في المخططات البيانية للمدى المتوسط، حيث إن أي كسر واضح وصريح لأسعار الذهب دون منطقة الدعم المحورية عند 4,400 دولار للأوقية لن يكون مجرد تراجع اعتيادي، بل سيفتح الباب على مصراعيه أمام موجة بيعية واسعة النطاق وأكثر حدة وتسارعاً.

وستكون هذه الموجة المتوقعة في حال حدوثها مدفوعة تقنياً بتفعيل أوامر إيقاف الخسارة الجماعية للمراكز الشرائية الطويلة وتدافع الصناديق المتداولة "ETFs" للتسييل الفوري.

وفي حال تحقق هذا السيناريو القاتم، فإن مستويات الدعم التالية لن تكون قادرة على الصمود طويلاً، مما قد يدفع الأسعار بشكل متسارع  نحو مستويات 4,152 دولار، ومن ثم إلى القاع التصحيحي الأعمق المتمثل في مستويات 4,098 دولار.

الدولار والسندات في مقعد القيادة

ولا يمكن قراءة المشهد الفني للذهب بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية الكلية "Macroeconomics" التي تعصف بالأسواق الماليّة، ويعود المحرك الأساسي وراء التراجعات الأخيرة للمعدن الأصفر بنسبة تقارب 4% على أساس شهري بالدرجة الأولى إلى القفزة الملحوظة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات والتي استقرت فوق مستويات 4.30%. 

وبما أن الذهب أصل لا يدر عائداً دورياً، فإن ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية يقلل من جاذبيته الاستثمارية ويجعل السندات بديلاً أكثر مرونة وربحية للمستثمرين في المدى المنظور.

بالإضافة إلى ذلك، يلعب مؤشر الدولار الأمريكي "DXY" دور العامل الضاغط في هذه الدورة السعرية، فالقوة المتجددة للعملة الخضراء، المستمدة من بيانات التضخم الأمريكية واقترابها من حاجز 3.8%، جعلت شراء المعدن الأصفر أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى، مما ساهم في تجفيف السيولة وجعل تدفقات العقود الآجلة في بورصة "كومكس" "COMEX" تتراجع بوضوح.

المؤسسات المالية العالمية

وتتباين الرؤى الاستراتيجية بين بيوت الخبرة العالمية حول ما ستؤول إليه الأمور في الأيام القادمة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: تراجع الزخم الشرائي على المدى القصير مقابل الحفاظ على النظرة المتفائلة للمدى الطويل.

 وكانت مجموعة" جي بي مورغان" الماليّة أشارت  في مذكرتها البحثية الأخيرة إلى تعديل توقعاتها لمتوسط سعر الذهب في عام 2026 إلى مستويات 5,243 دولار للأوقية هبوطاً من تقديرات سابقة كانت تفوق 5,700 دولار. 

وبرر محللون المجموعة هذا التعديل بـ"جفاف اهتمام العملاء والمستثمرين الأفراد والمؤسسات وتحوله إلى ما يشبه القُطيرات الصغيرة"، كما لفتوا إلى ركود واضح في حجم التداول في العقود الآجلة وتدفقات ضعيفة للصناديق الاستثمارية خلال شهر مايو(أيار). 

النفط والذهب.. من السبب في تراجع الآخر بعد الحرب الإيرانية؟ - موقع 24كان الذهب والنفط من أكثر الاستثمارات رواجاُ خلال الاثني عشر شهراً الماضية، لكن كان أحدهما سبباً في تراجع الآخر الآن بعد شن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في فبراير(شباط) الماضي.

ومع ذلك، يصر "جي بي مورغان" على أن هذا التراجع مؤقت، مرجحاً عودة الزخم القوي في النصف الثاني من العام ليعاود الذهب استهداف مستويات الـ 6,000 دولار.

وسار بنك "أي إن زي" الأسترالي النيوزيلندي على نفس الخطى التحذيرية، حيث خفّض مستهدفه لأسعار الذهب، رابطاً ذلك باستمرار التضخم المرتفع وقوة عوائد السندات التي تشكل جداراً سميكاً يمنع المعدن الأصفر من استئناف رالي الصعود السريع، محذراً من اختبار مستويات متدنية في حال غياب محفزات جيوسياسية طارئة.

ويرى فريق التحليل التقني في "إيسا بوليون" "Isa Bullion" أن حركة السعر الراهنة للذهب أدنى من المتوسطات المتحركة البسيطة لـ 21 يوماً ولـ 50 يوماً تعكس بوضوح سيطرة الدببة "البائعين". 

 ويؤكد الخبراء أن مؤشر القوة النسبية "RSI" الذي يتحرك حول مستوى 42 يعطي مؤشراً واضحاً على أن الضغط البيعي لم يكتمل بعد، وأن الأسواق تمتلك مساحة تقنية لمزيد من الهبوط التصحيحي ما لم تظهر "بجعة سوداء" جيوسياسية تعيد خلط الأوراق.

بصيص الأمل

على الجانب الآخر من المعادلة، لا يمكن إغفال أن الذهب يظل الملاذ الآمن الأزلي عند اشتداد الأزمات، ويشير خبراء أسواق السلع إلى أن التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط والتصريحات المتبادلة بشأن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، تعد بمثابة حبل النجاة الذي يمنع الذهب من الانهيار السريع.

الذهب يعاود الصعود بعد تسجيل أدنى مستوى منذ 30 مارس - موقع 24ارتفع الذهب اليوم الإثنين، بعد التراجع إلى أدنى مستوى في أكثر من شهر ونصف الشهر في وقت سابق من الجلسة، لكن المكاسب ظلت محدودة وسط ارتفاع عائدات السندات في ظل مخاوف من التضخم وتوقعات رفع الفائدة.

علاوة على ذلك، لا تزال البنوك المركزية العالمية، لا سيما في الأسواق الناشئة، تواصل سياسة تنويع احتياطياتها الأجنبية والابتعاد عن الهيمنة المطلقة للدولار عبر الشراء الفعلي التراكمي للسبائك. 

ويمثل هذا السلوك المؤسسي "الوسادة الحمائية الكبرى" التي تمنع الأسعار من السقوط الحر والدائم، حتى وإن تراجعت شهية صناديق الاستثمار والتحوط، وفي الخلاصة النهائية  ،فإن القراءة  التحليلية لأسواق السلع  تُجمع على أن ما تبقى من شهر مايو(أيار) الجاري سيكون بمثابة مرحلة "تثبيت الاتجاه" للذهب. 

ويتأرجح المعدن حالياً في نطاق ضيق وحرج، فإما أن ينجح في الحفاظ على تماسكه فوق مستويات الدعم الفورية 4,500 و4,450 دولار لبناء قاعدة انطلاق جديدة نحو مستويات المقاومة عند 4,600 ثم 4,755 دولار، وإما أن يستسلم لسطوة الدولار وعوائد السندات.

وفي حال استسلام الذهب، فإن الأسواق ستشهد بلا شك إطلاق العنان للموجة البيعية الحادة التي حذر منها الخبراء والمحللون. وستكون محطة كسر الـ 4,400 دولار بمثابة الضوء الأخضر الذي يفتح الباب للتسارع المباشر نحو قيعان جديدة ومقلقة للمستثمرين عند 4,152 دولار، تليها محطة المستهدف الهابط الأعمق عند 4,098 دولار قبل نهاية الشهر الجاري.