لم يعد الحديث عن صناعة الألعاب الإلكترونية في دولة الإمارات كمنصة للترفيه أو التسلية الرقمية، بل كـ قناة استثمارية تستهدف إضافة مليار دولار (نحو 3.67 مليار درهم) للناتج المحلي الإجمالي، وتوليد أكثر من 30 ألف وظيفة تخصصية عالية المهارة بحلول عام 2033.
ويأتي هذا التحول الهيكلي بالتزامن مع تنامي التدفقات الرأسمالية الأجنبية المباشرة، ونشاط صناديق رأس المال الجريء العالمية، وسط قفزة نوعية في البنية التحتية الرقمية للدولة التي جعلت من الأسواق المحلية مظلة جاذبة لصناع المحتوى التكنولوجي والبرمجي عالمياً.
وتشير البيانات التحليلية الرسمية إلى أن دولة الإمارات نجحت في كسر النمط التقليدي الذي كان يصنف أسواق المنطقة كـ "مستهلك نقي" للمنتجات الرقمية، فقد استطاعت الدولة بفضل رؤيتها الاستباقية صياغة منظومة متكاملة لـ "التصدير البرمجي".
ويؤكد الخبراء أن نجاح الإمارات في كسر هذا النمط التقليدي جاء نتيجة إقرار حزم الحوافز التشريعية، والبيئة الضريبية المرنة، والامتيازات الاستثنائية التي تتيح التملك الأجنبي الكامل بنسبة 100% في المناطق الحرة المتخصصة، مثل منطقتي "Twofour54" في أبوظبي، و"مدينة دبي للإنترنت"، وسلطة دبي للمناطق الاقتصادية المتكاملة (دييز).
رأس المال الجريء
وترصد التقرير المالية المتخصصة تنامياً ملحوظاً في نشاط صناديق رأس المال الجريء (Venture Capital) والمستثمرين الملائكيين (Angel Investors) المتواجدين في دبي وأبوظبي للاستثمار في قطاع الألعاب الإلكترونية .
وتُظهر المؤشرات تحول بوصلة التمويل الخاص من القطاعات التقليدية مثل العقار والأسهم الكلاسيكية، نحو ضخ ملايين الدولارات في الاستثمار في استوديوهات تطوير الألعاب في السوق الإماراتي .
ولا يقتصر أثر هذا الضخ المالي على تأسيس الشركات فحسب، بل يساهم بشكل مباشر في "توطين السيولة النقدية"؛ حيث تُعاد حركة تدوير هذه الأموال داخل شرايين الاقتصاد الوطني عبر الإنفاق على مراكز البيانات، والبنية التحتية للحوسبة السحابية، ودفع أجور الكفاءات البشرية عالية المهارة، مما يرفع من القيمة المضافة الإجمالية للأنشطة الاقتصادية غير النفطية في الدولة.
هوليوود الرقمية
ويُشار إلى أنه وعلى الصعيد العالمي، فإن عوائد صناعة الألعاب الإلكترونية تتجاوز حاجز الـ 180 إلى 200 مليار دولار سنوياً. وهو رقم ضخم يضع هذه الصناعة في مرتبة متقدمة تتفوق ماليًا على عوائد شباك التذاكر العالمي لقطاع السينما وصناعة الموسيقى مجتمعتين.
ومن هذا المنطلق، تحركت الاستراتيجيات الرسمية في دولة الإمارات لاقتناص حصة سوقية متزايدة من هذه الكعكة الاستثمارية العالمية.
وتعمل المبادرات الرسمية، وفي مقدمتها "برنامج دبي للألعاب الإلكترونية 2033" الذي تشرف عليه مؤسسة دبي للمستقبل، ومبادرات "أبوظبي للألعاب والرياضات الإلكترونية" (AD Gaming)، على نقل الشراكات الدولية إلى مستويات جديدة.
وقد أثمرت هذه الجهود بالفعل عن استقطاب المقرات الإقليمية والمراكز التمويلية لعمالقة التكنولوجيا في هذا المجال، مثل شركات (Tencent) و(Ubisoft) و(Riot Games)، والتي باتت تدير عملياتها المالية والتطويرية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مباشرة من عمق البيئة الاستثمارية الإماراتية. وقد قفز عدد الشركات المتخصصة المسجلة في دبي وحده إلى أكثر من 350 شركة، منها نحو 260 استوديو مخصصاً لتطوير وبناء المحتوى الرقمي.
آلية "التصدير الرقمي"
من الناحية الاقتصادية الكلية، يكمن الإنجاز غير المسبوق لهذا القطاع في تعديل حركة التدفقات النقدية الخارجية عبر آلية تسمى "التصدير الرقمي"، فقد كانت الحسابات الجارية لسنوات طويلة تشهد خروجاً متواصلاً للأموال الناتجة عن شراء المستخدمين المحليين للألعاب والاشتراكات البرمجية من استوديوهات تقع في الولايات المتحدة، أو اليابان، أو أوروبا.
أما اليوم، فقد تغيرت هذه الدورة المالية بشكل جذري؛ فالبنية التحتية المتطورة لشبكات الجيل الخامس (5G) وتقنيات الاتصال فائقة السرعة المتوفرة في الدولة، تتيح للمطورين والمبرمجين المتواجدين في الإمارات بناء ألعاب معقدة، واختبارها، وطرحها في المتاجر الرقمية العالمية مثل (Steam) و(Apple App Store) و(Google Play) مباشرة.
وبناءً على ذلك، فإن أي عملية شراء أو اشتراك يقوم بها مستخدم في نيويورك، أو طوكيو، أو لندن، تتحول تلقائياً إلى تدفق مالي عكسي يدخل العملة الصعبة مباشرة إلى الحسابات المصرفية للشركات والمصارف المحلية داخل دولة الإمارات، مما يمثل رافداً جديداً ومستداماً يدعم ميزان المدفوعات الوطني ويزيد من مرونة الاقتصاد المحلي.
ضمان التنافسية العالمية
وتُجمع التقارير العالمية على أن القدرة التنافسية للدول في اقتصاد المعرفة باتت تُقاس بمدى سرعة ومرونة بيئتها التشريعية والقانونية.
وفي هذا السياق، طورت الإمارات نموذجاً يسمى "الهندسة التشريعية الرقمية"، حيث لا تواجه الشركات القيود الروتينية أو الضغوط الضريبية التصاعدية التي تعاني منها في الأسواق الغربية والآسيوية التقليدية.
وقد ساهم توفير منظومة إقامات طويلة الأمد مثل "الإقامة الذهبية" للمطورين والعلماء والمبتكرين في البيانات، في خفض تكاليف استقطاب المواهب العالمية وتكاليف التأسيس التشغيلي لشركات الألعاب.
هذه الخطوات التشريعية المدروسة رفعت الهامش الربحي الصافي للشركات العاملة من داخل الدولة إلى مستويات هي الأعلى إقليمياً، مما دفع بالعديد من الصناديق الاستثمارية الدولية إلى تصنيف قطاع الألعاب في الإمارات كأحد أكثر القطاعات أماناً ونمواً وقدرة على توليد عوائد رأسمالية مستدامة؛ بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة والنفط التقليدية.