تتجه شركات التكنولوجيا العالمية إلى ضخ أكثر من 600 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 وحده.
يقدّر أن يصل إجمالي الاستثمارات العالمية التراكمية في مراكز البيانات إلى نحو 1.6 تريليون دولار بحلول عام 2030
توقعات بأن يُشكل عامَا 2026 و2027 المرحلة الأكثر أهمية في نمو "مصانع الذكاء الاصطناعي"
ويأتي هذا التدفق الضخم لرؤوس الأموال في وقت ينتقل فيه سوق الذكاء الاصطناعي سريع النمو إلى ما يصفه المحللون بـ "مرحلة التصنيع المكثف"، وفقاً لتقرير جديد صادر عن شركة أبحاث السوق Omdia.
ويسلط التقرير الضوء على مسار مذهل طويل الأمد ، إذ يقدّر أن يصل إجمالي الاستثمارات العالمية التراكمية في مراكز البيانات إلى نحو 1.6 تريليون دولار بحلول عام 2030، ما يعكس الحجم غير المسبوق لرؤوس الأموال المتدفقة إلى قطاع الحوسبة عالية الأداء حول العالم.
صعود مفهوم "مصنع الذكاء الاصطناعي"
وبحسب تقرير Omdia، تشهد مراكز البيانات التقليدية تحولاً جذرياً لا رجعة فيه، حيث تتطور تدريجياً إلى ما يُعرف باسم "مصانع الذكاء الاصطناعي" (AI Factories).
وهذه المنشآت عبارة عن أنظمة صناعية ضخمة صُممت بالأساس لإنتاج الذكاء من خلال تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بدلاً من الاكتفاء بالدور التقليدي المتمثل في تخزين البيانات ومعالجتها.
العمود الفقري للاقتصاد الرقمي القادم
ويشير التقرير إلى أن هذه المراكز الجديدة ستصبح العمود الفقري للاقتصاد الرقمي القادم، إذ ستوفر القدرات الحاسوبية الهائلة اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتشغيلها على نطاق واسع.
ويعكس هذا التحول تغيراً جوهرياً في دور البنية التحتية التقنية العالمية، حيث لم تعد مراكز البيانات مجرد مستودعات للمعلومات، بل أصبحت مصانع رقمية متخصصة في إنتاج المعرفة والذكاء الاصطناعي، مدفوعة بسباق عالمي متسارع للاستثمار في الحوسبة الفائقة وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
في هذا النموذج الجديد، أصبحت الرموز الرقمية (Tokens) وأداء النماذج المعيار الأساسي للإنتاجية، ما يؤدي إلى نشوء فئة جديدة بالكامل من البنية التحتية الصناعية، يكون فيها الذكاء نفسه هو المنتج النهائي.
22 ألف دولار سنوياً لكل بيت.. إنفيديا تحول المنازل إلى محطات للذكاء الاصطناعي - موقع 24تسعى مبادرة تقنية جديدة إلى تحويل أسوار المنازل الأمريكية إلى مراكز حوسبة ذكية عبر مشروع يجمع بين شركة الرقائق العالمية إنفيديا NVIDIA، وشركة التطوير العقاري PulteGroup، إلى جانب شركة الطاقة الذكية الناشئة Span، بهدف نشر وحدات حوسبة مدمجة للذكاء الاصطناعي داخل الأحياء السكنية الجديدة.
ويتسارع هذا التحول بفعل الارتفاع الهائل في الطلب على القدرات الحاسوبية، واحتدام المنافسة الجيوسياسية، إضافة إلى التوجه المتزايد لدى الشركات والحكومات نحو بناء قدرات الذكاء الاصطناعي السيادي (Sovereign AI) لضمان استقلاليتها التقنية.
وفي تعليقه على المشهد المتغير، قال ريموند زهان، كبير المحللين المتخصصين في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لدى شركة Omdia، إن المنافسة المستقبلية لن تعتمد فقط على قوة الأجهزة والمعدات.
وأضاف: "إن المشهد التنافسي المستقبلي لن يُقاس فقط بعدد وحدات معالجة الرسومات (GPU) أو حجم معلمات النماذج الذكية. بل سيعتمد بشكل متزايد على أنظمة الطاقة، وتقنيات التبريد، وسلاسل توريد أشباه الموصلات، والأنظمة البرمجية، والامتثال التنظيمي، والقدرة على تحمل الاستثمارات طويلة الأجل".
5 اتجاهات رئيسية ترسم ملامح عامي 2026 و2027
حددت Omdia خمسة اتجاهات هيكلية كبرى ستقود قطاع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل:
1- الكفاءة تتفوق على القوة الخام
يشهد القطاع تحولاً استراتيجياً من التركيز على زيادة أعداد وحدات معالجة الرسومات (GPU) فقط، إلى تحسين كفاءة الأداء وتسريع الاستجابة وخفض تكاليف التشغيل.
وبدلاً من السعي وراء قوة حوسبية أكبر فحسب، أصبح الهدف هو تحقيق أفضل إنتاجية ممكنة بأقل استهلاك للموارد والطاقة.
2- الذكاء الاصطناعي السيادي والإقليمي
تتجه الحكومات حول العالم إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي بهدف تقليل الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأجنبية، وحماية السيادة الرقمية للدول. ويشمل ذلك بناء مراكز بيانات وطنية وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي محلية تخضع للقوانين والسياسات الوطنية.
3- تقنيات تبريد متقدمة
مع التوسع الهائل في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، ترتفع كميات الحرارة الناتجة عن مراكز البيانات بشكل غير مسبوق.
ولهذا السبب تتبنى الشركات على نطاق واسع تقنيات التبريد السائل كبديل أكثر كفاءة من أنظمة التبريد التقليدية، بهدف التعامل مع الأحمال الحرارية الضخمة الناتجة عن تجمعات الحوسبة عالية الكثافة.
4- منظومات سحابية متخصصة
يشهد السوق نمواً سريعاً لمزودي الخدمات السحابية المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب شركات الحوسبة السحابية العملاقة التقليدية. وتركز هذه المنصات الجديدة على تلبية احتياجات قطاعات وصناعات محددة تتطلب قدرات ذكاء اصطناعي متخصصة.
5- الاستدامة في صدارة الأولويات
أصبحت الاستدامة البيئية وكفاءة استهلاك الطاقة من أهم العوامل المؤثرة في قرارات الاستثمار المستقبلية.
ويزداد التركيز على ضمان قدرة شبكات الكهرباء على استيعاب الطلب المتنامي على الطاقة الناتج عن توسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ثورة في سوق العقار.. منزل بـ 3 ملايين دولار يقبل أسهم الذكاء الاصطناعي بدلاً من النقود - موقع 24لفت إعلان عقاري في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية الأنظار، ليس بسبب سعره الذي يقترب من 3 ملايين دولار، بل بسبب طريقة الدفع غير التقليدية التي يقبلها مالكه، إذ يمكن شراء المنزل باستخدام أسهم في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي بدلاً من الأموال النقدية.
نظرة إلى أفريقيا
ورغم التدفق الضخم للاستثمارات، فإن عملية التحول لا تخلو من التحديات، فقد أظهر استطلاع شمل أكثر من 200 مؤسسة وجود عقبات رئيسية قد تُبطئ وتيرة نشر مشاريع الذكاء الاصطناعي، أبرزها:
- النقص الحاد في الكفاءات والمهارات المتخصصة.
- المخاوف المتعلقة بالعائد على الاستثمار.
- تعقيدات الامتثال التنظيمي والقانوني.
- التحديات الهندسية والتشغيلية المرتبطة ببناء البنية التحتية الجديدة.
وتتوقع Omdia أن يشكل عامَا 2026 و2027 المرحلة الأكثر أهمية في نمو "مصانع الذكاء الاصطناعي"، مع ترجيح أن تقود الجهات الإقليمية والمتخصصة في قطاعات محددة أسرع معدلات التوسع.
كما يتوقع المحللون أن يعيد هذا التوجه الاقتصادي العالمي تشكيل الاستثمارات المستقبلية في مجالات الحوسبة السحابية والبنية التحتية للاتصالات والخدمات المؤسسية على مستوى العالم، مع تأثيرات كبيرة تمتد إلى النظم التقنية الناشئة، بما في ذلك القارة الأفريقية.