يواجه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، ضغوطاً متزايدة لرفع أسعار الفائدة بعد تقرير الوظائف القوي، في حين يطالب الرئيس دونالد ترامب بخفضها، و​تولى كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي "المركزي الأمريكي" منذ أسبوعين فقط، لكن سوق السندات والبيت الأبيض قد اختارا له بالفعل معركته الأولى.

ودفع تقرير الوظائف القوي الصادر أمس الجمعة المتداولين إلى زيادة مراهناتهم على رفع أسعار الفائدة بحلول نهاية العام. كما دفع التقرير أحد الأعضاء المصوتين في الفيدرالي إلى التحذير علناً من أن رفع الفائدة قد يكون مبرراً هذا الصيف، مما جعل أحد بنوك "وول ستريت" يتوقع سلسلة من عمليات الرفع تبدأ في ديسمبر(كانون الأول) المقبل، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".

إرث اقتصادي صعب

وجدد الرئيس ترامب إحباطه المستمر من تعامل المستثمرين مع البيانات الاقتصادية القوية كأخبار غير سارة، بسبب توقعهم بأن الفيدرالي سيرد عليها برفع الفائدة. وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أمس الجمعة: "مع تقرير وظائف رائع مثل الذي أُعلن عنه للتو، يجب أن ترتفع الأسهم لا أن تنخفض. النمو لا يعني التضخم!".

​وعلى إثر ذلك، تراجعت الأسهم لتنخفض مؤشرات "ناسداك" بأكثر من 4 %. وفي ظل البيئة الحالية، تؤدي الأخبار الاقتصادية الإيجابية إلى دفع عوائد السندات للارتفاع، وهو ما يضر بأسعار الأسهم. وارتفعت العوائد أمس الجمعة لأن المستثمرين توقعوا إما قيام الفيدرالي برفع الفائدة، أو استمرار الضغوط السعرية، أو الأمرين معاً.

​وفي هذه الأثناء، أكد كبير الاقتصاديين لدى ترامب كيفين هايست والذي كان مرشحاً لمنصب رئاسة الفيدرالي قبل أن يذهب لوارش أن التقرير يُظهر قدرة الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة في وقت قريب.

​وأوضح هذا التخبط مدى الصعوبة البالغة التي تواجه وارش، وهو يتوجه إلى اجتماعه الأول كرئيس للفيدرالي هذا الشهر، إذ كان يبدو مستعداً لإرث اقتصادي مختلف تماماً عندما اختاره ترامب للمنصب في يناير(كانون الثاني) الماضي.

و​في ذلك الوقت، كانت الأسواق تتوقع أن يخفض الفيدرالي أسعار الفائدة ثلاث مرات هذا العام. ولم يكن المسؤولون متأكدين مما إذا كانت سوق العمل التي استوعبت ارتفاعاً تاريخياً بمقدار نقطة مئوية كاملة في معدل البطالة دون حدوث ركود قادرة على الصمود دون مزيد من الدعم. 

​أما الآن، وبعد أربعة أشهر، فقد انقلبت كل تفاصيل تلك الصورة تقريباً؛ إذ لم يستقر التوظيف فحسب، بل تسارع مجدداً. كما أن التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي يضغط على إمدادات المواد الخام والكهرباء، وهو مصدر لضغط الأسعار المرتبط بالطفرة الاقتصادية لا بالركود.

تغيير السيناريو الاقتصادي

ونتيجة لذلك، فإن الجدل الطويل داخل الفيدرالي حول المخاطر التي ينبغي التركيز عليها سواء تراجع سوق العمل أو تماسك الأسعار يُحسم الآن لصالح "الصقور" المتخوفين من التضخم، والذين كانوا متشككين في جدوى خفض الفائدة أواخر العام الماضي.

​ومن بين هؤلاء، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، التي عارضت القرار في اجتماع الفيدرالي في أبريل (نيسان) الماضي. وقالت هاماك وعضوان آخران حينها إنه ينبغي على الفيدرالي التخلي عن الصياغة في بيانه الرسمي التي تلمح بشكل غير مباشر إلى أن خفض الفائدة لا يزال أكثر احتمالاً من رفعها. ومن المتوقع أن يبقي الفيدرالي على أسعار الفائدة ثابتة في اجتماعه يومي 16 و17 يونيو(حزيران) مع إزالة تلك الصياغة.

​وفي بيان لها أمس الجمعة، قالت هاماك إنه من المنطقي في الوقت الحالي الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة، مستدركة: "لكن إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يكون من المناسب التحرك قريباً"، وهي صياغة تشير إلى أنها مستعدة للدفع باتجاه رفع الفائدة في اجتماع الفيدرالي التالي نهاية يوليو (تموز).

​كما أشارت عضوة أخرى وهي رئيسة فيدرالي دالاس لوري لوغان، في وقت سابق من هذا الأسبوع إلى أنها ستدعم رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام إذا استمرت الظروف الحالية.

و​بدأت "وول ستريت" في اتخاذ التحول نفسه؛ حيث أصبح بنك "بي إن بي باريبا" أمس الجمعة، أول بنك يدرج زيادة أسعار الفائدة في توقعاته للعام المقبل، مشيراً لعملائه بأنه يتوقع أن يلغي الفيدرالي جميع التخفيضات الثلاثة بمقدار ربع نقطة التي أقرها العام الماضي، وذلك عبر سلسلة من الارتفاعات تبدأ في ديسمبر (كانون الأول).

​وحتى الاقتصاديون الذين قضوا العام الماضي في حث الفيدرالي على خفض الفائدة بدأوا يتجهون نحو مسار أكثر تشدداً. وقال نيل دوتا من مؤسسة "رينيسانس ماكرو ريسيرش" في مذكرة للعملاء أمس الجمعة: "إن سوق العمل الأمريكية قد انتقلت إلى زخم أعلى"، متوقعاً أن يتحرك الفيدرالي في اجتماعه في يوليو(تموز) للإشارة إلى احتمالية أن تكون خطوته التالية هي رفع الفائدة. وأضاف أنه إذا رفع الفيدرالي الفائدة، فلن يكتفي بخطوة واحدة فقط.

​وحاول كبار مسؤولي الإدارة في الأسابيع الأخيرة تهدئة المخاوف بشأن التضخم، مستندين إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيتلاشى سريعاً بمجرد انتهاء التوترات في الشرق الأوسط.

​وكان ترامب قد عين وارش في منصبه متوقعاً منه خفض أسعار الفائدة. وخلال حفل أداء اليمين قبل أسبوعين، قال الرئيس إنه يريد أن يكون رئيس الفيدرالي الجديد "مستقلاً تماماً".

وبعد ساعات قليلة، وفي تجمع انتخابي، أوضح ما يأمل أن تسفر عنه تلك الاستقلالية قائلاً: "إذا خفضتم أسعار الفائدة، فسيكون الجميع سعداء للغاية".