يصادف اليوم الأحد، مرور 100 يوم على بدء الحرب الإيرانية، ولا يزال الصراع يثير تقلبات حادة في جميع فئات الأصول وفي كل منطقة من مناطق العالم، في ظل غياب أي أفق لاتفاق سلام قريب.

ومع استمرار الصراع، يتزايد الضغط على اقتصاديات معينة وقطاعات محددة في الأسواق المالية منذ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

​ثيران وول ستريت يتجاهلون الحرب

و​في الأعقاب المباشرة للضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تراجعت الأسهم في جميع أنحاء العالم. وبينما كافحت الأسهم المدرجة في بعض الأسواق لاستعادة زخمها، تمكنت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت من محو خسائرها الأولية، إذ تخطى المستثمرون المشترون والمعروفون بلقب "الثيران" تداعيات الحرب، وأثر الصراع على التضخم. وسجل مؤشر S&P 500 مستويات قياسية غير مسبوقة رغم استمرار الحرب.

​وفي هذا الصدد، قال "إيان بارنز"، رئيس إدارة الاستثمار في مؤسسة Netwealth، إن أسواق الأسهم كانت مدفوعة بافتراض أن الحرب ستنقل الاقتصاديات الكبرى المستوردة للطاقة من "بيئة تضخمية منخفضة ومستقرة" إلى بيئة "ركود تضخمي". لكن التفاؤل بشأن القوة التحولية المستقبلية للذكاء الاصطناعي والخلفية الربحية للشركات الأمريكية فرضا نفسهما على المشهد أيضاً.

​وأضاف لشبكة "سي إن بي سي" قائلاً: "لقد أدى ذلك إلى دفع أسواق الأسهم نحو الارتفاع، بقيادة الشركات الأمريكية والآسيوية التي تُعتبر مستفيداً مباشراً من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، كانت الأسهم الأوروبية أكثر ركوداً نظراً لأن تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة يشكل معضلة أكبر هناك".

ومن جانبه، صرح "توني ميدوز"، رئيس قطاع الاستثمار في مؤسسة BRI Wealth Management، بأن الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كشف عن عدد من الاختناقات المحتملة، ليس أقلها الطلب النهم على قدرات الحوسبة، ما يغذي أسعار أسهم أشباه الموصلات. وبسبب ذلك، تشهد أسواق واقتصاديات كاملة، مثل كوريا الجنوبية وتايوان، مراجعات إيجابية لتوقعات نموها.

​وأضاف ميدوز أن الولايات المتحدة، نظراً لتمتعها بالاكتفاء الذاتي من النفط إلى حد كبير، فإن الضغوط الناجمة عن الصراع في منطقة الخليج لا تبدو ملحة أو مباشرة بالنسبة لأكبر اقتصاد في العالم.

​وتابع "إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، فمن المرجح أن يرتفع التضخم، لكن المستثمرين يبدون مستعدين لتصديق أن لا ترامب ولا الإيرانيين يريدون إطالة أمد هذا الصراع. ومع ذلك، فإن أثر الصراع، إذا ظل دون حل، سيؤدي في النهاية إلى تدمير الطلب بشكل لا يمكن للمستثمرين تجاهله. لكننا لم نصل إلى تلك النقطة بعد، ورغم أن الأسواق تُقاد بعدد قليل من الأسهم، فإن تدفق الأخبار الإيجابية لتلك الشركات يفوق حالة عدم اليقين في قطاعات أخرى مثل أسهم السلع الاستهلاكية".

​قفزة في عوائد السندات

و​شهدت السندات الحكومية حالة من التقلب منذ اندلاع الحرب، لكن عوائد الديون السيادية لا تزال مرتفعة. وبما أن عوائد السندات وأسعارها تتحرك في اتجاهين متعاكسين، فإن العوائد المرتفعة تعني استمرار الضغط الهبوطي على قيمة هذه الأصول.

​وكانت عوائد سندات الخزانة الأمريكية من بين التي ارتفعت بقوة في أعقاب الحرب، حيث سارع المستثمرون إلى تسعير احتمالات ارتفاع التضخم وتبني سياسة نقدية متشددة. والشهر الماضي، سجل عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً أعلى مستوى له منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية.

​وشهدت العديد من الاقتصادات الكبرى نمطاً مشابهاً، حيث تعرضت السندات الحكومية البريطانية لموجة بيع عنيفة بشكل خاص، مدفوعة أيضاً بالاضطرابات السياسية المحلية هناك.

​وقال "نيل بيريل"، رئيس إدارة الاستثمار في مؤسسة Premier Miton Investors، إن أسواق السندات تبنت رؤية مفادها أن هناك "مخاوف حقيقية تستدعي القلق"، مشيراً إلى التخوف من ارتفاع التضخم، وتباطؤ النمو، واضطرابات سلاسل الإمداد.

وأضاف "إن استمرارية التضخم المرتفع وأسعار الفائدة لفترة أطول ربما تكون أكثر أهمية من الذروة التي ستصل إليها، وبما أن الوضع الحالي يبدو مرشحاً للاستمرار، فإن النمو الاقتصادي سيتضرر، ومن المرجح أن تظل عوائد السندات مرتفعة، مما يجعل من الصعب على الأسهم الحفاظ على مستوياتها الحالية".

​أسعار النفط تهدأ.. والمخاوف مستمرة

و​يُعتبر مضيق هرمز شرياناً حيوياً لشحن النفط في الشرق الأوسط، وقد أُغلق تقريباً طوال فترة الحرب، مما أدى إلى تقلبات كبرى في أسعار النفط تزامناً مع تفاعل المتداولين مع الأنباء المتعلقة بالضربات الصاروخية ومحادثات السلام وهدنات وقف إطلاق النار.

​ورغم أن الأسعار تراجعت بشكل ملحوظ عن ذروتها التي سجلتها خلال الحرب، إلا أنها تظل أعلى بكثير من مستويات تداولها قبل بدء الصراع، إذ تتداول العقود الآجلة لخام برنت القياسي العالمي بنحو 36% فوق سعرها ما قبل الحرب، بينما لا تزال العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي مرتفعة بنسبة تقارب 50%.

التضخم آخذ في الارتفاع

و​بدأت البيانات الاقتصادية تظهر الأثر الأوسع للحرب خارج حدود الأسواق المالية، فمع استمرار الحرب في إبقاء تكاليف الطاقة مرتفعة، بدأت قراءات التضخم في مختلف الاقتصادات الكبرى تظهر ارتفاعاً في الأسعار، مدفوعاً بالزيادة الحادة في تكاليف النفط، والغاز، ووقود الطائرات، والبنزين.

​وفي الولايات المتحدة، سجل مؤشر أسعار المستهلكين معدلاً سنوياً بلغ 3.8% في أبريل(نيسان)، وهو أعلى مستوى له منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.

​وكان تضاؤل إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط محركاً رئيسياً لارتفاع التضخم، برغم أن قفزات الأسعار دفعت بعض الدول، بما في ذلك ألمانيا والهند، إلى التدخل الحكومي.