قالت صحيفة "ذا تليغراف" البريطانية، إن الرئيس الصيني شي جين بينغ يستغل اللحظة الراهنة ببراعة، ففي ظل انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، والولايات المتحدة في أزمات متعددة تشمل إيران وفنزويلا وكوبا وغرينلاند، تمكن الرئيس الصيني من تصدر المشهد الدبلوماسي العالمي.
وأوضحت الصحيفة أن بكين تشهد نشاطاً غير مسبوق، أطلقت عليه وسائل الإعلام الحكومية اسم "دبلوماسية شي"، حيث تستقبل قادة العالم الذين يبحثون عن الاستقرار والتعاون، مما يعزز صورة شي كإمبراطور حديث يستعد لولاية رابعة غير مسبوقة تبدأ في خريف العام المقبل.
وبحسب "ذا تليغراف"، استضاف شي هذا العام نحو 20 زعيماً عالمياً في بكين، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ومستشار ألمانيا فريدرش ميرتس، ورئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، وغيرهم، حيث جاء كل منهم بمطالب محددة.
ولفتت الصحيفة إلى أن وصول الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين بفارق أسبوع واحد فقط، جعل شي يبدو وكأنه الرجل الذي يسعى الجميع للتحدث إليه.
وأشارت إلى أن هذا التحول يُعد جذرياً، فقبل سنوات قليلة كانت الصين منبوذة عالمياً بسبب جائحة كورونا واتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، فضلاً عن خلافاتها الحادة مع الغرب.
دعم الحلفاء واللعب على الحبلين
وأوضحت الصحيفة أن شي يتمتع بمرونة عالية، فرغم طموحاته في تايوان، إلا أنه يلعب لعبة طويلة الأمد، مضيفة أن أن دوافع شي الحقيقية تظل غامضة، حيث يستقبل قادة من مختلف التوجهات بنفس الحفاوة، والأهم من ذلك، أن الصين ألقت بطوق نجاة اقتصادي حيوي لكل من إيران وروسيا لمساعدتهما في مواجهة العقوبات العالمية، بل وقدمت دعماً مادياً خلال حروبهما.
استغلال التراجع الأمريكي
وذكرت "ذا تليغراف" أنه بدلاً من محاسبة الصين، سعت إدارة ترامب لكسب ود شي للضغط على إيران لحل الحرب، لكن الصحيفة تؤكد أن الصين لن تفعل الكثير لمساعدة منافستها الاستراتيجية، ولن تتدخل إلا إذا كان هناك فائدة واضحة لبكين، مثل ضمان استمرار التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، وقد نُقلت هذه الرسالة إلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال زيارته لبكين في أوائل مايو (أيار)، تزامناً مع المحادثات بين طهران وواشنطن.
وأضافت أن حرص واشنطن على طلب مساعدة الصين يظهر مدى النفوذ الذي وصل إليه شي، خاصة بعد أن استهل ترامب محادثاته الثنائية بإغداق المديح قائلاً: "أنت قائد عظيم، وإنه لشرف أن أكون صديقاً لك".
فخ ثيوسيديدس ونظام عالمي جديد
وفي المقابل، وجه شي تحذيرات صارمة بشأن تايوان وتحدى الهيمنة الأمريكية، مشيراً إلى "فخ ثيوسيديدس"، وهو المفهوم الذي يحذر من حتمية الحرب عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة قائمة، وتساءل شي عما إذا كان بإمكان البلدين تجاوز هذا الفخ وصياغة نموذج جديد للعلاقات.
وترى الصحيفة أن هذا يعكس قدرة شي على استغلال اللحظة لتشكيل نظام دولي جديد يخدم المصالح الصينية، وتسهل هذه المهمة رغبة العديد من الدول في إيجاد بديل للولايات المتحدة، في ظل سياسات ترامب المتقلبة وتهديداته بالانسحاب من تحالفات أمنية مثل الناتو، ونقل أنظمة تسليح من المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط.
الشرق يصعد والغرب يتراجع
واختتمت "ذا تليغراف" تقريرها بالإشارة إلى أن هذه التطورات تعزز قناعة شي بأن الغرب يتراجع بينما الشرق يصعد، ونقلت عن وسائل الإعلام الحكومية دعوة شي للصين وروسيا للعمل معاً للحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي.
واعتبرت الصحيفة أن هذا التصريح، رغم مفارقاته، يسلط الضوء على نقطة التحول الخطيرة التي يواجهها العالم، حيث ينجح شي في تقديم الصين كـ"غراء" يربط عالماً يزداد انقساماً، مؤكدة أن استعداده للقيام بأول رحلة خارجية له هذا العام لزيارة كيم جونغ أون في كوريا الشمالية، لم تعد تثير نفس القدر من المخاوف الغربية كما كان يحدث تاريخياً.