طرح البنك الدولي سؤالاً جوهرياً يشغل صانعي السياسات حول العالم، يبحثُ في كيفية إعداد البشر لمواجهة تحولات الذكاء الاصطناعي العاصفة في سوق العمل. 

البنك الدولي: "القراءة والحساب هما خط الدفاع الأول أمام موجة الذكاء الاصطناعي"

أكد الخبير الاقتصادي غابرييل ديمومبينز أن درع المواجهة الحقيقي لا يكمن في تعليم مهارات تقنية محددة بل في ترسيخ مهارات القراءة والحساب كأدوات تأسيسية حتمية للنجاة. 

استحضار رؤية شولتز للتكيف مع الاختلالات الاقتصادية

استحضر غابرييل ديمومبينز، خبير البنك الدولي، نظرية عمرها أكثر من 50 عاماً لعالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل ثيودور شولتز. 

خلصت تلك النظرية التاريخية إلى أن قيمة التعليم الحقيقية تكمنُ أساساً في بناء "القدرة على التعامل الناجح مع حالات الاختلال الاقتصادي"، وليس في اكتساب مهارات استاتيكية بعينها.

ويمثل الذكاء الاصطناعي اليوم أسرع موجة تكنولوجية في تاريخ البشرية، مما جعل هذه الأطروحة أكثر ملائمة من أي وقت مضى لمواجهة الاضطراب الرقمي المعاصر.

تسارع تقادم المهارات وضبابية التنبؤ بالمستقبل

أقر البنك الدولي بصعوبة التنبؤ الدقيق بمتطلبات المستقبل، مستنداً إلى تقرير الأكاديميات الوطنية الأمريكية بشأن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل، والذي أكد استحالة تحديد طبيعة التغييرات القادمة وتأثيراتها المجتمعية كاملة.

وأثبت الواقع التكنولوجي أن الذكاء الاصطناعي سرع وتيرة تقادم المهارات بشكل غير مسبوق؛ إذ فقدت مهارات كالبرمجة والترجمة اللغوية جزءاً كبيراً من قيمتها السوقية خلال سنوات قليلة، فيما باتت مهارة استخدام النماذج اللغوية الكبيرة بفاعلية، تحظى بطلب واسع وعوائد مرتفعة حالياً.

بيانات منظمة التعاون الاقتصادي تكشف الارتباط الحتمي

اعتمد ديمومبينز على بيانات حديثة من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) شملت 30 دولة لقياس "حل المشكلات التكيفي"؛ ويقيس هذا المؤشر قدرة الفرد على تحقيق أهدافه في مواقف ديناميكية معقدة لا تتوفر لها حلول جاهزة فوراً.

وتوصل تحليله الإحصائي إلى ارتباط وثيق بشكل لافت بين هذه القدرة ومستويات القراءة والحساب لدى الأفراد، بمعاملات ارتباط بلغت 0.81 و 0.84 على التوالي، وكشف البحث أن متغيرات أخرى كالعمر، التعليم، والتوظيف لا تضيف أي قوة إضافية.

وانعدم عملياً وجود أي شخص يمتلك قدرات تكيف عالية مع ضعف في مهارات القراءة والحساب، كما وجد التقرير أن الأشخاص العاجزين عن القراءة بطلاقة أو إجراء العمليات الحسابية البسيطة يظلون غير مؤهلين إطلاقاً للتكيف مع المستجدات الرقمية.

أرقام الهوة التعليمية تهدد أجيال المستقبل

أظهرت بيانات البنك الدولي فجوة خطيرة في التعليم الأساسي حول العالم، حيث عجزت نسبة 70% من الأطفال في سن 10 سنوات بالدول منخفضة ومتوسطة الدخل عن قراءة نص بسيط وفهمه.

ووفقاً للتقرير؛ سيواجه هؤلاء الأطفال، عند بلوغهم سن العمل، خطر التهميش الكامل، حيث سيجدون أنفسهم مستبعدين تماماً على هامش اقتصاد عالمي يتشكل من جديد، وعاجزين عن اقتناص أي فرصة يوفرها الذكاء الاصطناعي.