شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً في 12 يونيو (حزيران) بعد تقارير تحدثت عن توصل مسؤولين أمريكيين وإيرانيين إلى مسودة اتفاق، ما عزز الآمال بإعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
وكانت الأسواق تراهن خلال الأشهر الماضية على أن الحرب في الشرق الأوسط ستبقي أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في نقل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
بوادر الانفراجة
دفعت بوادر الانفراجة الدبلوماسية، إلى تراجع الأسعار، حيث انخفض خام برنت بنسبة 3.4% ليغلق عند 87.33 دولار للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3.2% إلى 84.88 دولار للبرميل، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تراهن على الحلول السياسية أكثر من مخاطر تعطل الإمدادات.
ورغم استمرار المخاطر الجيوسياسية، خفض بنك غولدمان ساكس توقعاته لمتوسط سعر خام برنت خلال عام 2027 إلى 80 دولاراً للبرميل، بانخفاض قدره 5 دولارات عن تقديراته السابقة.
وفي المقابل، أبقى البنك على توقعاته لسعر خام برنت عند 90 دولاراً للبرميل خلال الربع الأخير من عام 2026، ما يعكس استمرار تأثير المخاطر الجيوسياسية على المدى القريب.
ويرى البنك أن الأسواق قد تبالغ في التركيز على تأثير الحرب الحالية، بينما تقلل من أهمية المتغيرات التي قد تؤثر في الأسعار مستقبلاً، وعلى رأسها زيادة المعروض العالمي وتباطؤ نمو الطلب.
وأشار غولدمان ساكس إلى أن نمو الإنتاج في الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا وفنزويلا قد يسهم في تعزيز الإمدادات العالمية خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت نفسه، يتوقع البنك استمرار بعض مظاهر ضعف الطلب، خاصة مع تسارع التحول نحو السيارات الكهربائية في الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم.
وبحسب تقديرات البنك، فإن أكثر من 10% من ضعف الطلب الحالي قد يستمر على المدى الطويل، ما يزيد احتمالات مواجهة السوق فائضاً في المعروض خلال عام 2027.
المخزونات المحدودة
ورغم هذه التوقعات، لا يتوقع غولدمان ساكس انهيار أسعار النفط، نظراً لاستمرار شح المعروض الفعلي في الأسواق.
وتشير البيانات إلى تراجع مخزونات النفط الخام الأمريكية بمقدار 7.2 مليون برميل لتصل إلى 426.5 مليون برميل، وهو مستوى يقل بنحو 5% عن متوسط السنوات الخمس الماضية.
كما أن مخزونات المشتقات النفطية لا تزال أقل بنحو 13% من مستوياتها الطبيعية، ما يجعل السوق عرضة لتقلبات حادة في حال تعثر الجهود الدبلوماسية أو تجدد الاضطرابات في الإمدادات.
ولا يزال مضيق هرمز يمثل نقطة الضغط الرئيسية في سوق النفط العالمية، نظراً لمرور ما يقرب من 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عبره.
وعندما يعتقد المستثمرون أن الممر المائي قد يعود إلى العمل بشكل طبيعي، تتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية سريعاً، وهو ما انعكس بالفعل على حركة الأسعار خلال الأيام الأخيرة. لكن المخاطر لم تختفِ بالكامل، إذ لا تزال حركة الملايين من البراميل يومياً تعتمد على ترتيبات أمنية وعسكرية استثنائية.
وفي هذا السياق، حذر الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل دارين وودز، من أن استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف بعض مصادر الإمدادات العالمية، مؤكداً أن تداعيات الأزمة قد تتفاقم إذا استمرت القيود على حركة الشحن.
ماذا يعني ذلك؟
يرى محللون أن خفض غولدمان ساكس لتوقعاته يغيّر طبيعة الرهان في سوق النفط، من التركيز على "علاوة الحرب" إلى تقييم التوازن بين العرض والطلب على المديين المتوسط والطويل.
فإذا استمرت الأسعار في التراجع، فقد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوط التضخمية ودعم القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة، مثل أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والشركات المرتبطة بالنمو. كما قد تستفيد شركات الطيران والنقل والتجزئة من انخفاض تكاليف الوقود والطاقة.
في المقابل، قد تواجه أسهم شركات الطاقة ضغوطاً إذا بدأت الأسواق تسعير سيناريو يقوم على وفرة المعروض وضعف الطلب بدلاً من مخاطر نقص الإمدادات.