على مدى أكثر من عقدين، بُنيت العلاقة بين غوغل والناشرين على معادلة واضحة من التكامل، أساسها "إنشاء المحتوى عبر المواقع، وتوجيه المُستخدمين عبر محركات البحث"، فتكون النتيجة حركة زيارات واسعة تترجم إلى إيرادات إعلانية ومشتركين وعوائد تمول استمرار إنتاج المحتوى.
شوشاني: "غوغل زيرو يجمع بين التحول والتهديد، إذ يعيد تشكيل البحث من الروابط إلى الإجابات، لكنه يثير مخاوف بشأن حقوق الناشرين وتوزيع القيمة الاقتصادية للمحتوى"
الحفناوي: "إذا توقف الناشرون عن إنتاج المحتوى لأنه لم يعد مربحاً، فمن أين ستستقي نماذج الذكاء الاصطناعي بياناتها مستقبلاً؟"
لكن مع ظهور المُلخصات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بدأت هذه المعادلة تتغير، فبدلاً من عرض قائمة روابط تدفع المستخدم إلى زيارة المواقع المختلفة، أصبح بإمكان غوغل تقديم إجابات مباشرة داخل صفحة البحث نفسها، ما أدى إلى انتشار مُصلطح غوغل زيرو "Google Zero" وسط تخوفات من تراجع زيارات المواقع القادمة من محرك البحث إلى مستويات تقترب من الصفر.
"غوغل زيرو" ليس منتجاً رسمياً أطلقته شركة غوغل، بل عنواناً لمخاوف متزايدة من تسبب أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعلى رأسها ميزة "AI Overviews"، في تحويل الإنترنت من فضاء يقوم على الروابط والمصادر إلى فضاء يعتمد على الإجابات الجاهزة والملخصات الفورية.

من "ابحث ثم انقر" إلى "اسأل ثم غادر"
في هذا السياق، يشرح المهندس بلال الحفناوي، استشاري التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي الأردني لـ 24، هذا التحول بقوله إن مفهوم "غوغل زيرو" يقوم على النقرة الصفرية "Zero Click"، حيث يحصل المستخدم على الإجابة التي يبحث عنها دون الحاجة إلى زيارة أي موقع إلكتروني.
ويرى الحفناوي، أن المعادلة الجديدة أصبحت تتمثل في "مستخدم يبحث، ثم يقرأ إجابة الذكاء الاصطناعي، ثم يغلق المُتصفح"، بدلاً من النموذج التقليدي الذي كان يقود المستخدم إلى الموقع ويمنحه فرصة مشاهدة الإعلانات أو الاشتراك في الخدمة.

الإنترنت يدخل عصر "اللا نقر"
في الواقع، لم تبدأ ظاهرة "اللا نقر" مع الذكاء الاصطناعي، فالمقتطفات المميزة "Featured Snippets" ولوحات المعرفة "Knowledge Panels" والإجابات المباشرة ساهمت منذ سنوات في تقليل الحاجة إلى زيارة المواقع، بحسب "توماس غايد".
ورغم ذلك يرى الحفناوي، أن الذكاء الاصطناعي سرّع الاتجاه السابق بصورة غير مسبوقة. وتشير تقديرات متداولة إلى أن أكثر من 60% من عمليات البحث على غوغل تنتهي دون أي نقرة على موقع إلكتروني، فيما يتوقع خبراء أن ترتفع هذه النسبة مع توسع الاعتماد على "AI Overviews".
بمعنى آخر، لم يعد محرك البحث مجرد بوابة تقود المستخدم إلى المعلومات، بل أصبح هو نفسه مصدراً مباشراً للإجابة.
الناشر ضحية لمحتواه
يقول الحفناوي، إن المفارقة الأكبر تكمن في أن إجابات الذكاء الاصطناعي لا تُنتج من فراغ، بل تعتمد في الأساس على المحتوى الذي يكتبه الصحفيون والباحثون والمدونون والخبراء.
لكن بينما تستفيد أنظمة الذكاء الاصطناعي من هذا المحتوى لبناء إجاباتها، لا يحصل أصحاب المحتوى بالضرورة على المقابل الاقتصادي الذي كانوا يحققونه سابقاً عبر الزيارات.
من جانبه، يشير رودي شوشاني، استشاري تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي اللبناني لـ24، أن المخاوف لا تتعلق فقط بالجوانب التقنية، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي، حيث يحصل المستخدم على ملخص سريع للمعلومة دون زيارة المصدر الأصلي، ما يؤدي إلى تراجع ملموس في حركة الزيارات وانخفاض فرص تحقيق الإيرادات.
وتظهر المؤشرات الأولية أن هذه المخاوف ليست نظرية، فقد أظهرت تحليلات لآلاف المواقع الإلكترونية تراجع الإحالات القادمة من غوغل بنحو الثلث مقارنة بالعام السابق، فيما وجدت دراسة حديثة أن ظهور "AI Overviews" أدى إلى انخفاض عدد الزيارات إلى صفحات ويكيبيديا المتأثرة بنحو 15%.
ضربة قوية لـ غوغل.. انتقال مطور "غيميناي" إلى منافستها OpenAI - موقع 24في خطوة بارزة تعكس حدة المنافسة المتصاعدة بين شركات الذكاء الاصطناعي، أعلن نعوم شازير، نائب رئيس الهندسة في غوغل والمشرف المشارك على تطوير نماذج "غيميناي"، مغادرته الشركة للانضمام إلى "أوبن إيه آي".
معلومات غير دقيقة أو مضللة
بعيداً عن التأثير الاقتصادي، يثير "غوغل زيرو" تساؤلات متزايدة حول دقة المعلومات. بحسب بيانات أوردتها تقارير مخصصة، فنحو عملية بحث واحدة من كل 10 عمليات تعتمد على ملخصات الذكاء الاصطناعي قد تتضمن معلومات غير دقيقة أو مضللة.
وتبرز المشكلة بوضوح عندما يخلط الذكاء الاصطناعي بين أشخاص أو مصادر مختلفة لتوليد إجابة موحدة، وهو ما يطرح تحديات تتعلق بالمصداقية والتحقق من المعلومات، خصوصاً في الموضوعات الطبية والعلمية والقانونية والأخبار العاجلة.
تهديد اقتصادي أم تحول طبيعي؟
من وجهة نظر غوغل، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل تطوراً طبيعياً في طريقة البحث، ويساعد المستخدمين على اكتشاف المعلومات بسرعة أكبر، كما يتيح للمواقع فرصاً جديدة للظهور بطرق مختلفة.
لكن الخبراء يرون أن القضية أعمق من مجرد تطوير تقني، وهو ما يعبر عنه شوشاني بقوله: "غوغل زيرو يمثل في الوقت نفسه تحولاً وتهديداً، فهو يغير سلوك البحث جذرياً عبر الانتقال من عالم الروابط إلى عالم الإجابات، لكنه يثير أيضاً تساؤلات حول حقوق الناشرين وآليات توزيع القيمة الاقتصادية للمحتوى الذي تعتمد عليه هذه الإجابات".
أما الحفناوي فيحذر من خطر معرفي طويل الأمد، يتمثل في احتمال تراجع إنتاج المحتوى الأصلي إذا فقد الناشرون الحافز الاقتصادي للاستثمار فيه، متسائلاً: "إذا توقف الناشرون عن إنتاج المحتوى لأنه لم يعد مربحاً، فمن أين ستستقي نماذج الذكاء الاصطناعي بياناتها مستقبلاً؟".

ويتفق الخبيران على أن الصحافة الرقمية ستكون من أكثر القطاعات تأثراً بهذا التحول، خاصة المؤسسات الصغيرة والمواقع الإخبارية التي تعتمد بشكل شبه كامل على الإعلانات. في المقابل، قد تكون المواقع المتخصصة والتحقيقات الصحفية المعمقة والمحتوى الحصري أكثر قدرة على الصمود، لأنها تقدم قيمة يصعب على الخوارزميات تلخيصها أو استبدالها بالكامل.
نماذج الاشتراكات المدفوعة
كما يتوقع الخبيران أن يدفع ذلك العديد من المؤسسات إلى تسريع الانتقال نحو نماذج الاشتراكات المدفوعة "Subscriptions" وأنظمة "Paywall"، بحيث يصبح المحتوى الفريد متاحاً فقط للمشتركين، مع إمكانية ظهور آليات جديدة لتعويض الناشرين، قد تشمل اتفاقيات مباشرة بين شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات الإعلامية مقابل استخدام المحتوى في تدريب النماذج أو توليد الإجابات.
رغم المخاوف المتصاعدة، لا يرى الخبراء أن "غوغل زيرو" يمثل نهاية الإنترنت، بل نهاية مرحلة تاريخية اعتمدت فيها الشبكة على حركة التنقل بين المواقع والروابط.