في خطوة تبرهن على مرونتها الاستراتيجية وقدرتها الاستباقية على إدارة الأزمات الجيوسياسية، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة بخطى ثابثة صوب ترسيخ ريادتها العالمية في القطاع البحري. وتتجلى هذه الرؤية في طرق مسارات تجارية بديلة بهدف تحقيق "صفر اعتماد" على مضيق هرمز، بما يكفل استدامة سلاسل الإمداد وحرية التجارة الخارجية، سواء أُغلق المضيق أم أُعيد فتحه بالكامل.
رقم قياسي: تقطع السفن المسافة بين الميناءين في زمن قياسي يقل عن 40 ساعة فقط
تبلغ الطاقة التصميمية لخط حبشان–الفجيرة نحو 1.5 مليون برميل يومياً، فيما ارتفعت طاقته التشغيلية لاحقاً إلى نحو 1.8 مليون برميل يومياً
ولم يعد هذا التحول مجرد خطط على الورق، بل بات واقعاً ملموساً عبر منظومة توسعات هيكلية تشمل تعزيز وتوسيع موانئ الفجيرة، وخورفكان، ودبا على خليج عُمان، بالتوازي مع التخطيط لإنشاء ميناء جديد كلياً على الساحل الشرقي خارج النطاق الجغرافي للمضيق، ما يمنح الصادرات الإماراتية والخليجية شريان حياة دائماً وآمناً.
جسر بحري بأبعاد أوروبية: تفاصيل الربط بين "خليفة" و"أم قصر"
وفي سياق هذه الديناميكية اللوجستية، أطلقت "مجموعة موانئ أبوظبي" رسمياً خدمات متكاملة تربط ميناءي خليفة في العاصمة أبوظبي وأم قصر جنوبي العراق، عبر رحلات شحن أسبوعية منتظمة مخصصة للحاويات والبضائع المدحرجة.
ولا تقتصر أهمية هذا الربط على البعد الإقليمي فحسب، بل يمثل "حلقة وصل مفقودة" لتكامل بحري-وبري يضع المنطقة في قلب ممر تجاري ناشئ يمتد من الخليج العربي وصولاً إلى بلاد الشام (الأردن، سوريا ولبنان) ثم تركيا وأوروبا، عبر مسافة بحرية لا تتخطّى 1000 كيلومتر، ما يتيح للشركات نفاذاً سريعاً ومنخفض الكلفة إلى الأسواق الأوروبية الغربية.
"أم قصر".. عملاق الموانئ العراقية يستقبل الطموح المشترك
من الجانب العراقي، تتقاطع هذه الشراكة مع الأهمية الاستراتيجية لميناء أم قصر، الذي أُنشئ عام 1964 في أقصى جنوب محافظة البصرة. وبحسب بيانات الشركة العامة لموانئ العراق، يمثل هذا الميناء العصب الحقيقي للاقتصاد العراقي نظراً للمزايا التالية:
- الميناء الوحيد بمياه عميقة في البلاد.
- يستقبل وحده قرابة 80% من إجمالي واردات الدولة.
- تقدّر طاقته الاستيعابية بـ 9 ملايين طن سنوياً.
"حبشان-الفجيرة": شريان النفط الذي لا يمر عبر هرمز
ولا تقف الاستراتيجية الإماراتية عند نقل البضائع، بل تمتد إلى الطاقة، إذ يبرز "خط أنابيب حبشان-الفجيرة" إحدى أهم ركائز البنية التحتية النفطية التي طورتها الدولة لتأمين صادراتها. ويتيح هذا الخط نقل النفط الخام مباشرة إلى بحر عُمان دون الحاجة لمرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
وتقدر الطاقة التصميمية لخط حبشان–الفجيرة بقرابة 1.5 مليون برميل يومياً، فيما تشير تقديرات متخصصة إلى أن طاقته التشغيلية ارتفعت لاحقاً إلى ما يقارب 1.8 مليون برميل يومياً، ما يمنح الإمارات واحداً من أهم منافذ التصدير البديلة في المنطقة.
وبالتوازي مع هذه المنافذ الشرقية، تواصل الإمارات الاعتماد على قدرات موانئها الكبرى داخل الخليج في عمليات الاستيراد، وعلى رأسها ميناء جبل علي، الذي يصنف كأكبر مركز للحاويات خارج قارة آسيا.
بهذا التكامل اللوجستي الذكي، لا تكتفي دولة الإمارات بتحصين أمنها الاقتصادي ضد الاضطرابات البحرية الراهنة فحسب، حسبما يؤكد خبراء في النقل واللوجستيات، بل تعيد صياغة خارطة النقل متعدد الوسائط في الشرق المتوسط، محولةً التحديات الجيوسياسية المحيطة بالممرات المائية إلى قفزات نوعية تعزز مرونة واستدامة التجارة الدولية.