في خطوة تعكس استمرار الثقة الدولية في متانة المنظومة المصرفية الإماراتية، أعلنت وكالة التصنيف الائتماني الدولية "موديز" تثبيت التصنيفات الائتمانية لـ13 بنكاً إماراتياً مع نظرة مستقبلية مستقرة، في قرار يأتي بعد أشهر قليلة من تثبيت الوكالة ذاتها التصنيف السيادي للإمارات عند Aa2، ورفعها نظرتها المستقبلية للقطاع المصرفي بالدولة من "مستقرة" إلى "إيجابية"، ضمن مسار إجماع تشاركها فيه وكالتا "ستاندرد آند بورز" و"فيتش".
وفي قراءة "24" التحليلية للإعلان الصادر عن "موديز"، فإن التثبيت الجماعي للتصنيفات الائتمانية للبنوك الإماراتية ليس مجرد إجراء تقييمي روتيني، بل يمثل شهادة اعتماد دولية تُثبت نجاح المصارف الإماراتية في بناء مصدات أمان هيكلية تجعلها عصية على الهزات الارتدادية للأزمات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، ويؤكد دخولها المرحلة الحالية من موقع قوة حقيقية مستندة إلى ثلاث سنوات متتالية من النمو الاقتصادي المتسارع والأداء المالي المتين.
ويستند قرار الوكالة إلى تشريح دقيق للمؤشرات الهيكلية التي تضمن متانة الملاءة المالية للمصارف، وفي مقدمتها امتلاك نسب كفاية رأس مال تتجاوز بكثير المتطلبات التنظيمية الدولية، لتمنحها قدرة فائقة على امتصاص الصدمات الائتمانية غير المتوقعة دون المساس بسلامتها المالية.
ويتزامن ذلك مع اتباع المصارف سياسة تجنيب مخصصات استباقية تضمن إدارة القروض غير العاملة بكفاءة عالية، يرافقها تدفق مستمر للسيولة العالية الجودة، واستقرار كبير في قاعدة الودائع المحلية التي تمثل العمود الفقري للتمويل المصرفي وتضمن عدم الاعتماد المفرط على أسواق التمويل الخارجية المتقلبة، وكل ذلك يندرج تحت المظلة الرقابية الحصيفة لمصرف الإمارات المركزي الذي يوازن بكفاءة بين تحفيز النمو وضمان الاستقرار المالي.
إجماع ائتماني ثلاثي على الإمارات.. نمو غير نفطي 8 % وتصنيفات مصرفية مستقرة - موقع 24ثبتت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني تصنيفات 13 بنكاً عاملاً في الإمارات مع نظرة مستقبلية مستقرة، في خطوة لا تأتي منفردة، بل ضمن مسار متكامل سبقتها فيه وكالتا "ستاندرد آند بورز" و"فيتش"، ليكتمل بذلك إجماع وكالات التصنيف العالمية الثلاث الكبرى على متانة الاقتصاد ...
تراتبية البنوك الـ13
يكشف تفكيك مراتب التصنيف للبنوك المشمولة بتقرير "موديز" عن تراتبية دقيقة تعكس الحجم الثقيل والدور النظامي لكل مؤسسة مالية داخل الدولة، حيث تصدّر بنك أبوظبي الأول المشهد محافظاً على تصنيف ودائع طويلة الأجل عند أعلى مستوى في المجموعة وهو Aa3، مع تقييم ائتماني أساسي ومعدّل عند A3، مما يضعه في مصاف البنوك الأكثر أماناً على مستوى العالم، مستفيداً من حجم أصوله الضخم وعلاقته العضوية بالحكومة.
وفي السياق ذاته، استقر تصنيف ودائع بنك الإمارات دبي الوطني وبنك أبوظبي التجاري عند مستوى A1، ليعكس الأول ريادته وقدرته العالية على توليد الإيرادات المستدامة، بينما يؤكد الثاني مكانته الراسخة المستندة إلى كفاءة تشغيلية وقاعدة عملاء قوية من الشركات والأفراد.
الصيرفة الإسلامية واللاعبون الإقليميون
أما على صعيد الصيرفة الإسلامية واللاعبين الإقليميين الكبار، فقد حافظ مصرف أبوظبي الإسلامي على تميزه بتصنيف طويل الأجل عند A2، مستفيداً من النمو المتسارع لقطاع التجزئة الإسلامي، في حين أكد بنك دبي الإسلامي مكانته كأكبر بنك إسلامي في الدولة بتثبيت تصنيفاته عند A3 للديون طويلة الأجل، مدفوعاً بمركز سوقي مهيمن وهيكلية تمويل مستقرة.
ومن جهة أخرى، حافظ بنك "إتش إس بي سي" الشرق الأوسط على تصنيف ودائعه عند A3، مستفيداً من شبكته العالمية ووجوده التاريخي في المنطقة، كما أكد بنك المشرق مرونته الكبيرة بتثبيت تصنيفه طويل الأجل عند المستوى نفسه A3، مدفوعاً بتحوله الرقمي الناجح وتوسعه الخارجي المدروس.
البنوك التجارية والإقليمية
وفي فئة البنوك التجارية، أظهر التقرير استقراراً كبيراً في الأداء الائتماني العام، حيث حافظت بنوك دبي التجاري، والفجيرة الوطني، ورأس الخيمة الوطني على تصنيف الودائع طويلة الأجل عند Baa1، مع تباين طفيف في التقييمات الأساسية والمعدّلة.
وفي السياق الاستقراري ذاته، ثبتت الوكالة تصنيفات بنوك أم القيوين الوطني، والشارقة الإسلامي، والعربي المتحد عند مستوى Baa2 لودائعها طويلة الأجل، مما يعكس عمق الاستقرار المالي الممتد حتى لدى البنوك متوسطة الحجم والملتزمة بنطاقات جغرافية محددة داخل الدولة.
المصرف المركزي يحقق إنجازاً جديداً في الابتكار المالي عبر مشروع "أبيرتا" للتمويل - موقع 24أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، عن نجاح مشروع "أبيرتا" المبادرة الدولية التي يقودها بنك التسويات الدولية، والهادفة إلى تمكين التمويل المفتوح الآمن والقابل للتشغيل البيني عبر الحدود.
البيئة الاقتصادية الكلية
لا يمكن فصل هذه الملاءة المصرفية العالية عن البيئة الاقتصادية الكلية التي تعمل فيها البنوك، حيث يمثل تثبيت "موديز" لتصنيف الاقتصاد الكلي لدولة الإمارات عند مستوى "قوي" المحرك الأساسي لهذه الثقة الدولية.
تتجلى قوة هذه النظرة الاستشرافية في توقع الوكالة انتعاشاً لافتاً في النمو غير النفطي ليصل إلى 8% بحلول عام 2027، وهو ما يبرهن على نجاح استراتيجية التنوع الاقتصادي التي تقودها الدولة، فلم يعد المحرك الوحيد للاقتصاد هو برميل النفط، بل تحولت قطاعات التكنولوجيا المالية، والسياحة، واللوجستيات، والعقارات، والتجارة الدولية إلى روافد أساسية تحمي البنوك من مخاطر التركيز القطاعي وتخلق قنوات إيرادات متعددة ومستقرة.
الدعم الحكومي.. مظلة سيادية دائمة
ويبقى التأكيد على استمرار الدعم الحكومي كعامل رئيسي يعزز الجدارة الائتمانية للمصارف حجر الزاوية في هذا التقرير، إذ لا يُنظر إلى البنوك في الإمارات ككيانات تجارية بحتة، بل كأصول استراتيجية ذات أهمية نظامية قصوى للاقتصاد المحلي.
كما أن السجل الحافل من السياسات الحكومية الفعالة، المدعوم باحتياطيات طاقة ضخمة، ودخل مرتفع للفرد، يمنح الحكومة القدرة المالية والسياسية الكاملة للتدخل الفوري لحماية المنظومة المصرفية في حال حدوث أي اضطرابات، وهذه المظلة السيادية الدائمة هي التي تمنح المستثمرين والمودعين الدوليين الطمأنينة الكاملة، وتجعل تكلفة التمويل للبنوك الإماراتية في الأسواق العالمية واحدة من الأقل كلفةً وصعوبةً.
وثيقة استشرافية للمستقبل
في ضوء الحقائق السابقة، فإن تقرير "موديز" ليس مجرد مرآة تعكس الأداء المالي الممتاز للبنوك الإماراتية في السنوات الأخيرة، بل هو وثيقة استشرافية تؤكد جاهزية هذا القطاع للمستقبل، حيث يخلق التكامل بين الملاءة المالية الذاتية للبنوك، والرقابة الحصيفة للمصرف المركزي، والدعم السيادي اللامحدود، مثلث أمان يضمن بقاء الإمارات كمركز مالي أول في المنطقة، وقدرة مصارفها على تمويل مشاريع التنمية الكبرى بكفاءة واقتدار.