هناك نمط مألوف في الطريقة التي ينظر بها المستثمرون أصحاب المصالح إلى نيجيريا، فالحماس يأتي على شكل موجات متعاقبة، وتمتلئ المؤتمرات والندوات بالوعود. لكن عند أول إشارة إلى المخاطر، يبدأ رأس المال بالانسحاب على حساب البعد الإنساني والتنموي.
ويفيد تقرير لموقع (Punch newspaper) بأن تحالفات الاستثمار المبنية على الحسابات الآنية تسارع للتراجع عند اهتزاز العملات أو اندلاع نزاعات إقليمية أو تبدل المزاج العالمي. وهكذا اعتادت نيجيريا (أكبر اقتصادات أفريقيا من حيث عدد السكان)، أن تكون محط اهتمام المستثمرين في أوقات الرخاء، ثم تُترك لمواجهة التحديات في أوقات عدم اليقين.
الإمارات تبادر عندما يتردد الآخرون
دولة الإمارات العربية المتحدة تبادر، تٌقدِم وتسلك مساراً مختلفاً، بينما يتردد الآخرون، بحسب الصحيفة. هكذا تواصل الإمارات ذات البعد الاستراتيجي تعميق التزامها تجاه نيجيريا. ويتجلّى هذا التوجه على طول الساحل النيجيري، إذ يُنفّذ مشروع الطريق الساحلي بين لاغوس - وكالابار بكلفة 1.2 مليار دولار، ليشكل نافذة تنمية وازدهار على غرب أفريقيا، البعيدة عن شاشات رادار عمالقة الاستثمار. كما يستهدف ربط منابع الاقتصاد جنوبي البلاد من لاغوس إلى كالابار.
ويتصدر تمويل هذا العصب الحيوي كبرى صفقات البنية التحتية المدعومة من الخارج في نيجيريا.
وتتضح أهمية هذه الخطوة وجسارتها بتوقيتها، بالتزامن مع اضطرابات عالمية حادة؛ تتصدرها التوترات في الشرق الأوسط، المخاوف حول حركة الشحن عبر مضيق هرمز وهيمنة الحذر على الأسواق الدولية.

الإمارات رافعة أفريقيا اقتصادياً
وهذه تحديداً الظروف التي تدفع معظم المستثمرين إلى التريث أو الانسحاب. أما الإمارات فلم تفعل ذلك. ويقول ثاني الزيودي وزير التجارة الخارجية، بوضوح: "لا تزال الاستثمارات قوية. فبين 2019 و 2024 استثمرت الإمارات 110 مليارات دولار في أفريقيا، ما جعلها أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة في القارة. وفي نيجيريا، غطّى بنك أبوظبي الأول تمويل مشروع الطريق الساحلي بين لاغوس وكالابار بالكامل بقيمة 1.2 مليار دولار". وأضاف: "لم نوقف هذه الالتزامات، ولا نعتزم القيام بذلك".
موانئ أبوظبي توقع مذكرة تفاهم مع نيجيريا لتعزيز التعاون في الموانئ والخدمات اللوجستية - موقع 24التقى الكابتن محمد جمعة الشامسي، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ أبوظبي، بولا أحمد تينوبو رئيس نيجيريا، خلال زيارته للدولة، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجالات الشحن والخدمات التجارية والبحرية واللوجستية.
استراتيجية واضحة
هذا الثبات يمثل استراتيجية واضحة. فالأرقام التي أشار إليها الوزير لافتة بحد ذاتها، لكن مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين أكثر دلالة، بحسب الصحيفة النيجيرية. إذ تضاعف حجم التجارة الثنائية أربع مرات من 1.45 مليار دولار في 2019 إلى 4.8 مليارات دولار عام 2025. ويعكس مشروع طريق لاغوس – كالابار هذا التوجه، في وقت يكتفي فيه آخرون بإصدار البيانات والتصريحات.
كما أن اختيار مشروع طريق سريع يحمل دلالات مهمة. فالطرق من أقل أنواع الاستثمارات إثارة للاهتمام إعلامياً، لكنها من أكثرها تأثيراً على الاقتصاد. فهي لا تصنع عناوين الأخبار بشكل يومي، لكنها تحدد كيفية انتقال البضائع وربط الموانئ بالأسواق. كما تمكن الاقتصاد الساحلي من العمل كنظام متكامل بدلاً من مجموعة مدن منفصلة.
ويمثل الممر الساحلي الذي يربط لاغوس، القلب التجاري لنيجيريا، بمدينة كالابار في الجنوب الشرقي استثماراً مباشراً في البنية الأساسية للتجارة النيجيرية اليومية. وهو مشروع لا تظهر عوائده خلال عام واحد، بل تمتد آثارها عبر أجيال.
ويعكس ذلك فلسفة أوسع تحكم نهج الإمارات تجاه القارة الأفريقية، بحسب الصحيفة النيريجية. وعندما سُئل الوزير عن كيفية الحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد والتدفقات التجارية في أوقات الاضطرابات، جاءت إجابته مباشرة: "إن مرونة سلاسل الإمداد تُبنى عبر البنية التحتية وليس عبر الطموحات. وبمجرد تأثر حركة الملاحة في المضيق، فعّلت الإمارات عدداً من الإجراءات الاحترازية لضمان استمرار تدفق التجارة من وإلى الدولة".
وتفسر هذه الرؤية المنطق الكامن وراء الاستثمار في طريق لاغوس – كالابار؛ "فمرونة الاقتصادات وقدرتها على امتصاص الصدمات ومواصلة العمل لا تُبنى بالنوايا الحسنة أو بإعلانات القمم والمؤتمرات، بل تُبنى فعلياً من خلال الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والطرق".

بناء مقومات الصمود
ومن خلال تمويل البنية التحتية الأساسية في نيجيريا، لا تسعى الإمارات فقط إلى تحقيق عوائد استثمارية، بل تسهم أيضاً في بناء مقومات الصمود الاقتصادي والمنعة لتمكين التجارة بين البلدين من تخطّي الأزمات المستقبلية.
ويتساءل البعض عما تجنيه الإمارات من هذا التوجه؟ تفيد الصحيفة. "والإجابة الصريحة هي: الكثير. فنيجيريا أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان، ومن أكبر اقتصادات القارة، وتمثل سوقاً ضخمة ذات إمكانات طويلة الأجل وبوابة استراتيجية إلى غرب أفريقيا". غير أن "المنفعة المتبادلة ليست عيباً في الشراكات الاقتصادية، بل هي أساس استدامتها. فالمساعدات تخلق الاعتماد، بينما يخلق الاستثمار من هذا النوع مصالح مشتركة ورهانات متبادلة على النجاح".
وتحمل هذه التجربة بالنسبة لنيجيريا رسالتين مهمتين؛ الأولى تأكيد أن رؤوس الأموال الجادة وطويلة الأجل ما تزال تؤمن بمستقبل البلاد، ومستعدة لترجمة هذا الإيمان إلى استثمارات فعلية عندما يتردد الآخرون. والثانية توضيح ما الذي يجذب هذه الاستثمارات: ليس غياب المخاطر، بل وجود رؤية واضحة ومشروعات كبيرة تستحق التنفيذ.
وتخلص إلى التساؤل: "قد يكون مشروع لاغوس – كالابار مجرد مشروع طريق في ظاهره، لكنه في الواقع رسالة استثمارية بقيمة 1.2 مليار دولار تؤكد أن مستقبل نيجيريا يُبنى على أسس ملموسة، بدعم من شريك مستعد للمراهنة بقوة في الوقت الذي يفضل فيه الآخرون الانتظار".