كشفت بيانات وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) أنه حتى شهر مارس(آذار) الماضي، فقد أكثر من 4.7 مليون شخص في جميع أنحاء البلاد مزاياهم ضمن "برنامج المساعدة الغذائية التكميلية" (SNAP)، والمعروف سابقاً باسم "قسائم الغذاء"، وذلك منذ دخول قانون الضرائب الإنفاق حيز التنفيذ في يوليو(تموز) الماضي بعد طلب من الرئيس دونالد ترامب؛ وهو ما يمثل تراجعاً 11% في إجمالي عدد المستفيدين.
ماذا حدث ؟
وبحسب وكالة "رويترز"، عندما حاولت "أنجليكا غارسيا" تجديد قسائم الطعام الخاصة بها هذا الربيع، ظنت أنها تعرف الإجراءات المعتادة؛ حيث قامت الأم لثلاثة أطفال في مدينة "توسون" بملء طلب التجديد، وحاولت مراراً الاتصال بوزارة الأمن الاقتصادي في ولاية أريزونا وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن إدارة المساعدات الفيدرالية في الولاية — وغالباً ما كانت تظل قيد الانتظار على الهاتف حتى ينقطع الخط. كما توجهت شخصياً إلى أحد مكاتب الوزارة الذي يعاني من نقص حاد في الموظفين، وانتظرت ساعات طويلة لمقابلة الموظف المختص.
ولكن بحلول الوقت الذي تمت فيه الموافقة على طلبها مجدداً في شهر يونيو (حزيران) الحالي، كانت عائلتها قد حُرِمت من المساعدات لمدة شهرين كاملين، عانت خلالهما تدبير قوت يومها بالاعتماد على تبرعات مستودعات الطعام الخيرية والسلع الأساسية الرخيصة مثل الفاصوليا والأرز.
وتقول غارسيا، التي تعتمد على قسائم الطعام في الولاية منذ ثلاث سنوات: "هناك دائماً عقبات وصعوبات يتعين علينا تجاوزها، لكن الحكومة الآن تضع المزيد من هذه العقبات".
ولم تظهر تداعيات هذه التغييرات في ثاني أكبر برنامج لشبكة الأمان الاجتماعي في أمريكا بهذه السرعة والحدة مثلما ظهرت في ولاية أريزونا، إذ انخفض عدد المستفيدين من برنامج (SNAP) بمقدار النصف تقريباً، مسجلاً هبوطاً حاداً في البلاد بأكملها.
وبحسب بيانات وزارة الأمن الاقتصادي بالولاية الصادرة نهاية مايو(آيار)، فإن هذا التراجع يعني حرمان أكثر من 457 ألف مواطن في أريزونا من المساعدات، من بينهم 196 ألف طفل.
ما هو برنامج قسائم الغذاء؟
يعتبر البرنامج أكبر برنامج مساعدة تغذية فيدرالي في الولايات المتحدة، يُدار من قِبل وزارة الزراعة الأمريكية بالتنسيق مع الولايات المختلفة، ويهدف إلى مساعدة الأسر والأفراد ذوي الدخل المنخفض على شراء الأطعمة، ويتم منح المساعدات للأشخاص المؤهلين للبرنامج عن طريق تحويل الأموال شهرياً إلكترونياً إلى بطاقة خصم بلاستيكية تُعرف باسم بطاقة التحويل الإلكتروني للمنافع (EBT).
وتُستخدم بطاقة EBT في متاجر البقالة، السوبر ماركت، وبعض أسواق المزارعين المؤهلة، إذ يتم تمريرها في نقطة البيع باستخدام رقم تعريف شخصي، وتمنح البطاقة متوسط دعم 187 دولاراً شهرياً للشخص الواحد، ولا يمكن سحب هذه المبالغ إلا في شكل شراء سلع فقط.
ويقضي القانون الجديد بخفض تمويل برنامج (SNAP) بنحو 187 مليار دولار أي 17% على مدى السنوات العشر المقبلة، وذلك عبر توسيع شروط العمل الصارمة ومنع بعض المهاجرين من تلقي المساعدات. كما يفرض القانون عقوبات مالية على الولايات التي تفشل في تلبية معايير أداء معينة بدءاً من أكتوبر (تشرين الأول) من العام المقبل، وينقل المزيد من التكاليف الإدارية والتشغيلية من الحكومة الفيدرالية إلى ميزانيات الولايات.
ويُعزى الهبوط الحاد في معدلات التسجيل بولاية أريزونا، وفقاً لخبراء ومحدث باسم الوزارة، إلى مسارعة الولاية لتطبيق التغييرات الفيدرالية بشكل أسرع من الولايات الأخرى. تقول ليليانا سوتو، السكرتيرة الصحفية لحاكمة ولاية أريزونا الديمقراطية كاتي هوبز: "أريزونا ليس أمامها سوى تلبية هذه المتطلبات. إذا لم نمتثل، فستُفرض علينا غرامات بمئات الملايين من الدولارات، وسيفقد المزيد من المواطنين الأكثر ضعفاً مساعداتهم الغذائية".
في المقابل، صرحت آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، بأن إصلاح برنامج (SNAP) "يمنح الأولوية للمواطنين الأمريكيين، ويطبق تدابير معقولة لتقاسم التكاليف مع الولايات بهدف الحزم في مواجهة الهدر والاحتيال وسوء الاستخدام".
طلب قياسي على مستودعات الطعام الخيرية
وأدت هذه التخفيضات الحادة إلى تدفق أعداد قياسية من المواطنين نحو بنوك الطعام الخيرية في أريزونا، وفقاً لشبكة بنوك الطعام بالولاية.
وتُظهر البيانات أن نحو 843 ألف مواطن سعوا للحصول على دعم من مستودعات الطعام في أبريل (نيسان) الماضي، بزيادة 8% مقارنة بنحو 779 ألفاً في أبريل 2025؛ ليتجاوز هذا الرقم لأول مرة عدد الأشخاص الذين يتلقون مساعدات (SNAP) الرسمية بالولاية. وقالت تيري شوماكر، نائبة الرئيس التنفيذي للشبكة، إن مستودعات الطعام تسابق الزمن حالياً لسد "فجوة هائلة".
فيما توضح كاتي بيرغ، كبار محللي السياسات في "مركز الموازنة وأولويات السياسة"، أن "فترات الانتظار الطويلة وتأخر الطلبات تنجم جزئياً عن الإجراءات الصارمة والمدققة التي استحدثتها ولاية أريزونا لتجنب العقوبات المالية الفيدرالية".
وتقول: "المواطنون لا يستطيعون التواصل عبر الخطوط الهاتفية المثقلة، أو يُطالبون بأوراق وثائق متزايدة يعجزون عن توفيرها، وحتى إن وفروها، فإن الولاية لا تملك القدرة الاستيعابية البشرية لمعالجتها بالسرعة المطلوبة".
وجاءت هذه المعايير المشددة بعد أن بلغ معدل الخطأ في برنامج (SNAP) بأريزونا 8.84% عام 2024. ورغم أنه أقل من المتوسط الوطني البالغ 10.9%، إلا أنه يتجاوز سقف 6% الذي يفرضه القانون الجديد، والذي يُلزم الولايات بموجبه بتحمل ما يصل إلى 15% من تكلفة المساعدات، بعد أن كانت الحكومة الفيدرالية تاريخياً تتحمل الفاتورة كاملة. وقد يلف هذا الإجراء ولاية أريزونا نحو 201.5 مليون دولار العام المقبل.
ومن جهة أخرى، وسّع القانون الفيدرالي شروط العمل لتشمل مناطق كانت معفاة سابقاً بسبب ارتفاع معدلات البطالة؛ إذ باتت 14 مقاطعة من أصل 15 في أريزونا خاضعة لشروط العمل مقارنة بمقاطعة واحدة فقط العام الماضي.
تقول جوزيف بالومينو، مدير "مركز أريزونا للتقدم الاقتصادي"، إن هذه التغييرات والشروط التعجيزية للتوثيق تجعل من الصعب على الفئات الهشة الوصول إلى المساعدات في الوقت المناسب، مما يتركهم "يسقطون من تشققات شبكة الأمان الاجتماعي".
ولا تقتصر هذه الطفرة في الانخفاض على أريزونا فحسب، بل تسجل ولايات أمريكية أخرى تراجعاً حاداً في أعداد المسجلين ببرنامج (SNAP)، إذ وصل الانخفاض 17.4% في لويزيانا، و11.6% في وايومنغ، و13.7% في فرجينيا، وتراجع التسجيل 12% خلال العام المنتهي في مارس (آذار) الماضي.