توقف هيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي" بث إذاعة "راديو 4" عبر الموجات الطويلة في 27 يونيو (حزيران) الحالي، في خطوة ترتبط بارتفاع كلف تشغيل تقنيات البث التقليدية وصيانتها. هكذا تُسدل الستارة على مرحلة امتدت 90 عاماً من البث عبر محطة "درويتويتش" وسط إنجلترا، التي صدحت لأول مرة في 1934 وكانت تضم أقوى جهاز إرسال إذاعي تابع للهيئة. يتزامن هذا الضغط في النفقات وهجرة مسارات البث التقليدية مع انتقال الجمهور تدريجياً إلى خدمات الإنترنت والمنصّات الرقمية وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي.

وتختزن هذه الموجة التاريخية حِقباً حاسمة في تاريخ بريطانيا وسائر العالم، حين استخدمت في بث رسائل مشفرة للجيوش والمقاومين على امتداد أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ومسرح الحرب الباردة بين الشرق والغرب، بحسب ما ذكرت صحيفة "ذا إيكونوميست" . 

300 مليون جنيه

في 1997، باعت بريطانيا أبراج البث بما فيها أبراج "درويتويتش"، للإسهام في تمويل الانتقال إلى التلفزيون الرقمي مع انتشار شبكات التلفزة الفضائية. وتتولى شركة "أركيفا" الخاصة حالياً تشغيل هذه البنية التحتية، فيما تستأجر منها هيئات البث نطاقات الإرسال.

وتُنفق "بي.بي.سي" 300 مليون جنيه إسترليني (395 مليون دولار) سنوياً على بث التلفزيون الأرضي، بحسب تقديرات شركة "إندرز أناليسيس" لأبحاث الإعلام.

وتسعى شركات تشغيل شبكات الهاتف المحمول إلى الاستفادة من الترددات المستخدمة في البث الأرضي لتوسيع شبكات الجيل الخامس الرقمية.

مهلة حتى 2044

وتعهدت الحكومة في 23 يونيو (حزيران) الحالي، بوضع جدول زمني لإنهاء البث التلفزيوني الأرضي، واقترحت أن يبدأ التنفيذ في 2034، على ألا يتخطّى الموعد النهائي عام 2044.

ويعني الانتقال الكامل إلى الإنترنت أن الأسر غير المتصلة بالشبكة، ستحتاج إلى بدائل تقنية لضمان استمرار وصولها إلى الخدمات التلفزيونية والإذاعية.

ووجد تقرير أكاديمي صدر في 2024 عن جامعتي "إكستر" و"ليدز"، أن 1.5 مليون أسرة بريطانية، تمثل 5% من إجمالي الأسر، ستظل معتمدة على التلفزيون الأرضي بحلول 2040.

ويمثل إيقاف البث بالموجات الطويلة من محطة "درويتويتش"، مرحلة أولى ضمن عملية أوسع لإعادة هيكلة شبكات الإرسال وخفض تكاليف تشغيل البنية التحتية التقليدية.

أدوار تاريخية للمحطة 

وتشير الصحيفة إلى أن محطة "درويتويتش" تعتمد على صمامات مصنوعة من السيراميك والمعدن، يصل ارتفاع بعضها إلى مترين، ولم تعد الشركات تنتجها، ما يزيد صعوبة تأمين قطع الغيار واستمرار التشغيل.

وخلال الحرب العالمية الثانية، استُخدمت المحطة في إرسال رسائل مشفرة إلى المقاومة الفرنسية. وفي العقود اللاحقة، حملت بث برامج إذاعية، من بينها تغطيات مباريات الكريكيت وبرنامج "تست ماتش سبيشال".

ويُستخدم البث بالموجات الطويلة أيضاً في نقل نشرات الطقس البحرية إلى السفن. إلا أن قطاع الصيد والنقل البحري يعتمد حالياً بصورة متزايدة على أجهزة الراديو ذات الترددات العالية جداً "VHF" وخدمات الأقمار الاصطناعية، التي توفر بيانات أكثر تفصيلاً وتحديثاً.

كما ترتبط موجات "راديو 4" بآلية كانت تستخدمها الغواصات النووية البريطانية للتأكد من استمرار عمل مؤسسات الدولة. لكن البحرية الملكية أصبحت تمتلك وسائل اتصال ومراقبة بديلة.

ورغم توقف الإذاعة عن استخدام الموجات الطويلة، يشير مؤيدو التقنية إلى قدرتها على تغطية مساحات واسعة والوصول إلى المناطق التي تفتقر إلى خدمات الإنترنت.