وجوه عدة يحضرها "الذكاء الاصطناعي" إلى عالمنا. لكن مع الفوائد الكبيرة التي سهلت الكثير من العمليات المعقدة، جاءت مخاطر جعلت الأوضاع تبدو أكثر تعقيداً. والحديث هنا عن موجة "خفض العمال" في شركات التكنولوجيا الكبرى، التي لا تعكس بالضرورة أزمة إيرادات داخلية، أو تراجعاً في الطلب على المنتجات الأساسية، خصوصاً في حالة شركة "مايكروسوفت" التي تستعد لجولة جديدة من تقليص الوظائف.
خبراء لـ"24": تسريحات مايكروسوفت ليست أزمة.. الذكاء الاصطناعي يعيد تسعير العمل البشري
|
تسريح الآلاف
يكشف تقرير بموقع "بيزنس إنسايدر" الأمريكي أن "مايكروسوفت" تستعد لجولة خفض وظائف جديدة قد تطال آلاف الموظفين، في وقت تواصل فيه "عملاقة التكنولوجيا الأمريكية" زيادة إنفاقها على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها. ويشير التقرير إلى أن المخطط "يشمل تقليص أقل من 2.5% من قوتها العاملة، في جولة تسريحات جديدة قد يتم الإعلان عنها الأسبوع المقبل"، بحسب مصادر مطلعة على هذا الملف.
وكانت مايكروسوفت نفذت خلال العام الماضي تخفيضات كبيرة، إذ ألغت نحو 6 آلاف وظيفة في مايو (أيار)، ثم سرحت في يوليو (تموز) 9 آلاف موظف إضافي، بما يعادل نحو 4% من قوتها العاملة، في واحدة من أكبر موجات التسريح التي شهدتها الشركة خلال السنوات الأخيرة، بحسب إعلانات سابقة للشركة.
ضغوط المستثمرين
يبدو أن الخطوة الجديدة تأتي للتأكيد على استمرار الشركة في التوجه نحو ضبط الكلفة، مع ضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، وسط ضغوط كبرى على شركات التكنولوجيا من قبل المستثمرين لإثبات أن الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي قادر على تحقيق عوائد مستدامة.
ووفقاً للتقرير، فإن التخفيضات المنتظرة في العمالة ستكون أقل حجماً من موجات التسريح السابقة، لكن دلالتها تبدو أوسع من مجرد خفض تقليدي، إذ تأتي في إطار إعادة توزيع للموارد داخل الشركة، وتحويل التركيز إلى مجالات النمو الجديدة.
لماذا قللت مايكروسوفت أعداد التسريحات؟
في وقت سابق من هذا العام، طرحت "مايكروسوفت" برنامج خروج طوعي للموظفين المخضرمين لديها في الولايات المتحدة، حتى لا تتعامل مع الأمر بشكل أكبر حدة، إذ أفادت "بيزنس إنسايدر" أن نحو ثلث المؤهلين للبرنامج قبلوا عروض الخروج، وهو الأمر الذي ساعد الشركة على تقليل أعداد التسريحات هذا العام مقارنة بالعام الماضي.
موجة واسعة في قطاع التكنولوجيا
لم تكن "مايكروسوفت" الأولى في خطوة تخفيض العمالة، بل أتت ضمن موجة أوسع أصابت قطاع التكنولوجيا هذا العام، إذ أعلنت الشركات "ميتا" خططاً لخفض 10% من قوتها العاملة، بينما وضعت "أمازون" خططاً لإلغاء نحو 16 ألف وظيفة.
هذه الموجة كشفت عن مفارقة جديدة في "وادي السيليكون"، بتوجه شركات التكنولوجيا نحو إعادة بناء نماذجها التشغيلية حول الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب إنفاقاً رأسمالياً ضخماً على مراكز البيانات والرقائق والطاقة، كما يدفع نحو المراجعة بشأن الوظائف التقليدية والإدارية.
في هذا السياق، يقول الدكتور بيار الخوري، الأستاذ الجامعي والكاتب المتخصص في اقتصاد الشركات والتكنولوجيا، إن "تخفيضات العمالة في مايكروسوفت لا تبدو أقرب إلى أزمة مالية داخلية، بقدر ما تعكس إعادة توجيه استراتيجي داخل الشركة".
ويوضح الخوري لـ"24"، أن "الفارق الجوهري بين الأزمة المالية وإعادة الهيكلة يظهر في الأداء المالي المصاحب لقرارات التسريح"، مشيراً إلى أن "الشركات المتعثرة عادةً تلجأ إلى خفض العمالة بالتزامن مع تراجع الإيرادات، بينما تبدو حالة مايكروسوفت مختلفة، إذ حققت الشركة، إيرادات بلغت 82.9 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 18%، مع ارتفاع الأرباح التشغيلية بنسبة 20%".
ويضيف أن "الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت ساتيا ناديلا وصف الحجم الضخم للشركة بأنه عيب هيكلي في سباق الذكاء الاصطناعي، بما يدفعها إلى تسطيح الهرم الإداري وتقليل مستويات البيروقراطية الداخلية".

ويقول محمد الحارثي، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن "تخفيضات العمالة في الشركة لا تمثل أزمة داخلية، ولكنها تعكس تحولاً جذرياً في النموذج التشغيلي لشركات التكنولوجيا مع الانتقال إلى عصر الذكاء الاصطناعي".
ويوضح الحارثي لـ"24"، أن الشركات "أصبحت تعيد توزيع ميزانياتها من الإنفاق التشغيلي المرتبط بالعمالة إلى الإنفاق الرأسمالي الموجه لبناء مراكز بيانات ضخمة، وشراء معالجات الذكاء الاصطناعي عالية الأداء، مثل وحدات معالجة الرسومات GPU، وتوسيع البنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج اللغوية الضخمة وخدمات الذكاء الاصطناعي".
ويشير إلى أن "أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ووكلاء الذكاء الاصطناعي بدأت في تنفيذ جزء كبير من المهام التي كانت تعتمد على فرق المبيعات وخدمات العملاء والدعم الفني والاستشارات، وحتى بعض أعمال البرمجة وإدارة المشروعات، وهو ما يقلل الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية ويغير طبيعتها".

نمو قوي وتسريحات متزامنة
يقول الخبير الاقتصادي، إن "المفارقة بين نمو مايكروسوفت في الذكاء الاصطناعي من جهة، وخفض وظائف في المبيعات والاستشارات وXbox (إكس بوكس) من جهة أخرى، لا تمثل تناقضاً، بل تعبر عن إعادة تعريف لمصادر القيمة داخل الشركة".
ويشير الخوري إلى أن "Azure للخدمات السحابية سجل نمواً سنوياً بنحو 39%، فيما بلغت إيرادات السحابة الإجمالية 54 مليار دولار، بنمو قدره 29%، كما وصل معدل الأعمال السنوي للذكاء الاصطناعي إلى 37 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 123%، وارتفعت حجوزات Copilot المدفوعة إلى أكثر من 20 مليون مستخدم".
لكن هذا النمو، بحسب الخوري، لم يعد قائماً على "كثافة اليد البشرية في التسويق والدعم بالدرجة نفسها، بل أصبح مدفوعاً بالبنية التحتية والبرمجيات الذكية"، معتبراً أن "الاستشارات التقليدية تتراجع لأن Copilot والوكلاء الأذكياء باتوا يؤدون مهام كانت تحتاج في السابق إلى فرق بشرية، بينما تتحول Xbox (إكس بوكس) إلى نموذج تشغيلي أخف لضبط هوامش الربح".
مايكروسوفت لم تعد الشركة القديمة
وقال الخوري إن "ساتيا ناديلا عمل، منذ توليه قيادة مايكروسوفت في 2014، على تغيير هيكلي في معنى الشركة، معتبراً أنها لم تعد مجرد بائع لخدمات مثل أوفيس أو الألعاب، بل أصبحت أقرب إلى نظام سحابي ومنظومة تواصل مع العملاء"، وهو ما يفسر، بحسب قوله، توجهها إلى "صفقات وخدمات مثل لينكدإن وغيرها".
مهارات جديدة
ويرى الخوري أن "التغييرات الهائلة في تركيب العمالة داخل شركات التكنولوجيا تعكس تحولاً في طبيعة المهارات المطلوبة، من مهارات تنفيذية وتقليدية إلى مهارات هندسية مرتبطة بهندسة البيانات وإدارة الأنظمة الذكية"، مشيراً إلى أن شركات أخرى تتحرك في الاتجاه نفسه، كما يوضح أن "شركة المؤسسة الدولية للحواسيب "IBM" استبدلت عدداً من وظائف الموارد البشرية بوكلاء ذكاء اصطناعي، بينما لجأت Salesforce إلى خفض آلاف الموظفين، وفي الوقت نفسه دعمت نفسها بكفاءات مرتبطة بمنصة Agentforce".
ويضيف الخوري، إن "النمو وتسريح العمالة ليسا أمرين متناقضين، بل وجهان للتحول نفسه"، معتبراً أن ما يجري هو "إعادة تسعير لقيمة العمل البشري داخل هيكل إداري يقوده الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يفرض على الموظفين والشركات إعادة تعريف مهاراتهم الرئيسية".
ويقول الحارثي إن "دمج الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل، من خلال أدوات مثل Copilot، أدى إلى رفع إنتاجية الموظف الواحد، إذ أصبح بإمكان عدد أقل من العاملين إنجاز حجم أكبر من الأعمال، وهو ما يدفع الشركات إلى إعادة تقييم احتياجاتها البشرية".
في المقابل، يشير إلى أن "الطلب يزداد على تخصصات أكثر ندرة، مثل هندسة الذكاء الاصطناعي، هندسة البيانات، تشغيل البنية التحتية السحابية، أمن الذكاء الاصطناعي، تصميم الرقائق، تحسين أداء النماذج، وإدارة أحمال الحوسبة عالية الأداء".

د. بيار الخوري الأستاذ الجامعي والكاتب المتخصص في اقتصاد الشركات والتكنولوجيا - محمد الحارثي خبير تكنولوجيا المعلومات
إنفاق ضخم وضغط على الوظائف
على الرغم من خفض العمالة في الشركات الكبرى، إلا أنها تتوسع في الذكاء الاصطناعي، ويقول الخوري إن "مايكروسوفت رفعت موازنة إنفاقها الرأسمالي إلى نحو 190 مليار دولار هذا العام، متجاوزة توقعات المحللين التي دارت حول 150 مليار دولار، بينما تخطط شركات غوغل وأمازون ومايكروسوفت وميتا مجتمعة، بحسب تقديره، لإنفاق يفوق 700 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هذا العام".
ويضيف أن هذا "الإنفاق الضخم يتزامن مع تسريحات تقنية بلغت نحو 82 ألف وظيفة، وهو ما يعكس أن القطاع يدخل مرحلة إعادة هيكلة طويلة الأمد، لا مجرد موجة عابرة".
فجوة المهارات
الأزمة التي تواجه الموظفين الذين يتم تسريحهم هي أن هناك فجوة كبيرة بين طبيعة عملهم، وبين الوظائف الجديدة التي تظهر بسبب الذكاء الاصطناعي، إذ يقول الخوري، إن "هناك نحو 275 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تزال شاغرة، لكن كثيراً من المسرحين لا يملكون المهارات الكافية للانتقال إليها، ما يجعل الأزمة أقرب إلى إعادة توزيع قاسية داخل سوق العمل".
ويرى الخبير الاقتصادي أنه إذا استمر هذا النمط خلال السنوات الخمس القادمة، قد يشهد القطاع انخفاضاً في أعداد المسؤولين الإداريين من الطبقة الوسطى وزيادةً في إنتاجية الإيرادات لكل عامل، مع ضغط على هوامش ربحه على المدى القصير بسبب الاستهلاك الكبير لمراكز البيانات، "حتى تحقق ربحها الكامل"، وهو ما وصفه بعملية "احتراق رأسمالي".
ويختتم الخوري حديثه بالتأكيد على أن الشركات والموظفين الذين يعملون على تطوير مهارات الذكاء الاصطناعي وإدارة البنية التحتية السحابية، سيكونون الأقدر على الاستفادة من دورة الإنفاق الجديدة، موضحاً أن الأدوار التنفيذية القابلة للأتمتة ستظل الأكثر عرضة للخطر والتقلص.
من جانبه، يتوقع الحارثي، أن تمتد هذه الموجة إلى معظم شركات التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة، لأن المنافسة لم تعد تعتمد فقط على عدد الموظفين، ولكن على امتلاك أكبر قدرة حاسوبية، وأسرع بنية تحتية، وأفضل نماذج ذكاء اصطناعي.
ويضيف أن "الأولوية ستتحول من التوسع في التوظيف إلى الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، بالتزامن مع استمرار إعادة هيكلة القوى العاملة حتى تتوافق مع المهارات التي يتطلبها اقتصاد الذكاء الاصطناعي"، معتبراً أن ما يحدث اليوم لا يمثل أزمة في مايكروسوفت، ولكنه يعكس "بداية إعادة تشكيل واسعة لسوق العمل التقني العالمي، إذ ستكون القيمة الحقيقية للعاملين في قدرتهم على العمل جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي، وليس منافسته".