اقتصاد الولايات المتحدة في الذكرى الـ250 للاستقلال؛ هو الأكبر والأكثر ديناميكية في العالم، ومن بين الأكثر ثراءً، إذ يدين الأمريكيون بالجزء الأكبر من ذلك للديمقراطية التي بناها الآباء المؤسسون.
ووفق صحيفة "وول ستريت جورنال"، تشهد الولايات المتحدة الآن تصدعات في تلك الأسس السياسية، وأن نظام الضوابط والتوازنات الذي زرعه المؤسسون في الديمقراطية الأمريكية كان يحمي العمال والمستثمرين ورواد الأعمال من الحكم الاستبدادي والمزاجي. أما الآن، فيعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تركيز المزيد من السلطات الاقتصادية في يده، ففي الأسبوع الماضي فقط قدمت المحكمة العليا له مساعدة هائلة في هذا الاتجاه.
مؤسسات شاملة وأخرى إقصائية
وأدرك علماء الاقتصاد أن الديمقراطية وحدها لا تصنع النمو الاقتصادي، بل إن "المؤسسات" هي المحك. وفي كتابهما "لماذا تفشل الأمم"، يوضح الحائزان على جائزة نوبل، دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون، أن المؤسسات الإقصائية تركّز السلطة في أيدي نخبة معينة، وتصادر بعد ذلك ثروات بقية المجتمع؛ ولهذا السبب تظل العديد من الدول الناشئة فقيرة.
وفي المقابل، فإن المؤسسات "الشاملة" تقيّد السلطة وتوزعها على نطاق واسع. واكتسبت إنجلترا مثل هذه المؤسسات مع "الثورة المجيدة" (1688-1689)، والتي لم يعد بإمكان الملك بعدها تعطيل القوانين، أو فرض الضرائب دون موافقة البرلمان، أو مصادرة الممتلكات الخاصة بشكل تعسفي.
وورث المستوطنون الأمريكيون مؤسسات إنجلترا، بل إن مجالسهم التشريعية كانت قوية لدرجة أنه "لم يكن لدى أي مستوطن، مهما كان بسيطاً أو مكروهاً، ما يخشاه من السلطات الإمبراطورية"، حسبما كتب آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم"، الذي نُشر قبل أربعة أشهر فقط من إعلان الاستقلال.
ويقول سميث: "من أصحاب المحلات وتجار ومحامين، تحولوا إلى رجال دولة ومشرعين، ليصمموا حكومة لإمبراطورية يرجح جداً أن تصبح واحدة من أعظم وأقوى الإمبراطوريات التي شهدها العالم على الإطلاق".
وجاء النظام الاقتصادي لاحقاً عبر الدستور، الذي أرسى الضوابط والتوازنات بين السلطات، وقسّم المسؤوليات بين حكومات الولايات والحكومة الفيدرالية، وحدد الحقوق الفردية التي لا يمكن للحكومة انتهاكها. ويصف الاقتصادي خيسوس فيرنانديز-فيلفايردي، من جامعة بنسلفانيا، الدستور بأنه "أداة التزام" تضمن الحكومة من خلالها للأجيال القادمة أنها ستلتزم بالوعود التي تقطعها اليوم.
وعززت الممارسات المبكرة للمؤسسين هذا الالتزام؛ وإن قرار جورج واشنطن بالتقاعد بعد فترتين رئاسيتين وضع نموذجاً شعر الرؤساء الآخرون بالزامية اتباعه، وتكفّل ألكسندر هاميلتون بديون الولايات أرسى الجدارة الائتمانية الوطنية، كما رسخت الأحكام المبكرة للمحكمة العليا حرمة العقود وحق المراجعة القضائية.
ونمت البلاد سريعاً بفضل الهجرة، وتوسع الحدود، وطاقة الريادة، وكتب المؤرخ الاقتصادي روبرت جوردون: "في معرض قصر الكريستال بلندن عام 1851... صُدم المراقبون البريطانيون والأجانب وانبهروا ليس فقط بالأدوات المتقدمة التي عرضها الأمريكيون، بل بأسلوبهم الجديد تماماً في التصنيع". وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة قد تجاوزت بريطانيا لتصبح القوة الاقتصادية المهيمنة في العالم.
تطور المؤسسات في مواجهة التحديات
تحولت الولايات المتحدة من مجتمع زراعي في الغالب إلى مجتمع حضري صناعي، وكان لزاماً على مؤسساتها أن تتطور أيضاً. وأصبح ينظر إلى تركز نفوذ الشركات الكبرى كتهديد للحرية أكبر من تهديد الحكومات الاستبدادية. وللإشراف على هذا الاقتصاد الأكثر تعقيداً، لجأ الإصلاحيون إلى هيئات متخصصة من الخبراء، وعملوا تماشياً مع غريزة الآباء المؤسسين في توزيع السلطة على عزلهم عن السياسة.
ولإنهاء أزمات الذعر المصرفي المتكررة، أُقر قانون الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) عام 1913 نظام حوكمة فريد يجمع بين القطاعين العام والخاص. وتبعته هيئة التجارة الفيدرالية (FTC) عام 1914 لحماية الاقتصاد من المنافسة غير العادلة والاحتكار. وأشار تقرير مجلس الشيوخ حول القانون التشريعي وقتها إلى أن قرارات الهيئة يجب أن تكون "نزيهة ومدروسة جيداً" ومستقلة عن التوجيه الحزبي. وعليه، لا يمكن لأكثر من ثلاثة من أعضائها الخمسة الانتماء إلى حزب واحد، ولا يمكن إقالة أي منهم إلا لسبب قانوني قاهر.
وأدت أزمة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية إلى توسع هائل في الوجود الحكومي داخل الاقتصاد، والى رئاسة أكثر توغلاً فرضت ضغوطاً جديدة على نظام الضوابط والتوازنات. فحين حاول فرانكلين روزفلت إقالة عضو في هيئة التجارة الفيدرالية دون سبب قاهر، رفضت المحكمة العليا ذلك عام 1935. وعندما حاول روزفلت بعد ذلك "تعبئة" المحكمة العليا عبر زيادة عدد قضاتها الموالين له، تمرد عليه حزبه.
وازدهرت الولايات المتحدة لأسباب عديدة: سوق داخلية ضخمة، موارد طبيعية وافرة، أرض لم تدمرها الحروب، وتعليم أساسي شامل. ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بمؤسساتها؛ فالاحتياطي الفيدرالي يمنح الأسواق المالية الأمريكية والدولار هذا العمق والانتشار العالمي.
ترامب وصراع الصلاحيات
وهنا يأتي دور ترامب. ومثله كمثل معظم الرؤساء، فإنه لا يكترث كثيراً بنظام الضوابط والتوازنات. وخلال فترته الرئاسية الأولى صرّح قائلاً: "بموجب الدستور، لدي الحق في فعل ما أريد كرئيس".
وفي فترته الثانية، تصرف وكأن هذه المقولة حقيقة واقعة؛ فاتخذ قرارات بشأن الضرائب والإنفاق تقع عادة ضمن اختصاص الكونغرس، وتدخل بانتظام في شؤون الاقتصاد الخاص. ورغم أن المحاكم أوقفت بعضاً من هذه الإجراءات، إلا أنها لم توقفها كلها.
وبعد تولي ترامب منصبه بفترة وجيزة، أقال الأعضاء الديمقراطيين في عدة وكالات مستقلة، بما في ذلك هيئة التجارة الفيدرالية، محولاً إياها فعلياً إلى إدارات تنفيذية تابعة له. كما حاول إقالة أحد حكام الاحتياطي الفيدرالي في مسعى لإخضاع السياسة النقدية لسيطرة البيت الأبيض.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التداعيات قد تستمر لما بعد عهد ترامب؛ فالحزب الديمقراطي ينجرف نحو اليسار بفعل التقدميين والاشتراكيين العازمين على استهداف الثروات ونفوذ الشركات. وبفضل الطريق الذي مهدّه ترامب، سيواجه أي رئيس ديمقراطي مستقبلي ضوابط وتوازنات أقل لتنفيذ مثل هذه الأجندة.
ورغم كل هذه الضغوط، تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة واجهت تحديات مماثلة مراراً وتكراراً على مدار 250 عاماً، وكانت تخرج منها دائماً بأسس ديمقراطية واقتصادية أكثر قوة وثباتاً.