في الأسبوع الذي أطلق فيه مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس تحذيره من أن الذكاء الاصطناعي سيلتهم معظم الوظائف، كان قادة شركات التقنية الكبرى يُدلون بتصريحات تسير في الاتجاه المعاكس تماماً، مركّزين على قدرة الذكاء الاصطناعي على خلق فرص عمل وتعزيز إنتاجية البشر، لا على إحلاله محلهم.

وحدد غيتس في 4 يوليو (تموز) 4 مهن "ستصمد" أمام موجة الذكاء الاصطناعي هي: "المبرمجون، علماء الأحياء، العاملون في قطاع الطاقة، والرياضيون المحترفون". 

لكن استطلاعاً لشركة (EY-Parthenon)، أوضح أن نسبة الرؤساء التنفيذيين الذين يتوقعون خفضاً كبيراً في أعداد موظفيهم بسبب الذكاء الاصطناعي انخفضت من 46% في يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 20% فقط في مايو (أيار) الماضي، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".

رغم ذلك، أعلنت بعض شركات التقنية عن تسريحات بهدف توجيه الأموال نحو الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، حتى في الوقت الذي كان فيه رؤساؤها يتحدثون عن قدرته على خلق وظائف جديدة.

نبرة أكثر تفاؤلاً 

في 2025، أشارت تصريحات قادة الأعمال إلى أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف، لكن خلال الأشهر الأخيرة، بدأ رؤساء شركات التقنية الكبرى يتبنون نبرة مغايرة. ففي أواخر مايو(أيار) الماضي، قال الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" سام ألتمان، الذي طالما توقع تحولات عميقة في سوق العمل: "كنا مصيبين تقريباً في توقعاتنا التكنولوجية، ومخطئين تماماً بشأن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية"، مضيفاً "استهان قطاعنا بمدى قدرتنا على إبقاء البشر في قلب كل شيء".

أما الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي، الذي حذر في مايو 2025 من أن "الذكاء الاصطناعي قد يقضي على نصف وظائف المبتدئين"، فسلّط الضوء على معادلة الاختيار الصعبة التي تواجهها الشركات، قائلاً: "أمام الشركات خياران: إما إنجاز العمل ذاته بموارد أقل،  وهذا يُفضي إلى تسريحات، وإما تحقيق المزيد بالموارد نفسها، لكن ذلك يستلزم إبداعاً".

لماذا تغيرت الأفكار؟ 

تساءلت "وول ستريت جورنال": "هل هذه النظرة الأكثر إشراقاً محاولة لاستعادة ثقة العملاء والجمهور الذين بدأوا يمتعضون من وعود الذكاء الاصطناعي التي تقلب العالم رأساً على عقب؟ أم أن دور الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل بات مفهوماً بصورة أفضل؟".

تتصاعد هذه التوقعات المتفاوتة وسط موجات تسريح متواصلة تستهدف توجيه موارد أكبر نحو الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. ففي مقابلة مع منصة "Complex"، قال الرئيس التنفيذي لميتا مارك زوكربيرغ: "إذا ركزت الشركات على رفع إنتاجية موظفيها بسرعة أكبر من وتيرة التحول التكنولوجي نحو الوظائف، فينبغي أن يكون هناك وظائف أكثر في المستقبل، لا أقل". غير أن الشركة ذاتها شرعت في تسريح 8,000 موظف ضمن خطة لإعادة الهيكلة التنظيمية.

في فبراير (شباط) الماضي، تحدث الرئيس التنفيذي لأمازون آندي جاسي عن إمكانات الذكاء الاصطناعي في خلق فرص العمل، وذلك بعد عام من إعلانه أن الشركة ستُقلص أعداد موظفيها في السنوات المقبلة بفعل مكاسب الكفاءة الناجمة عن هذه التقنية. وصرّحت أمازون لاحقاً بأن تسريحاتها التي طالت 16,000 موظف لم تكن مدفوعةً بالذكاء الاصطناعي، بل بجهود مستمرة لتقليص البيروقراطية وإعادة تشكيل ثقافة الشركة.

في هذا السياق، أوضح ديفيد أوتور، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا "ربما لاحظوا أن سوق العمل لا ينهار بالسرعة التي توقعوها، وربما أدركوا أيضاً أنه من السيئ تجارياً أن تقول إن منتجك الجديد الرائع سيُدمر الاقتصاد".

تعزيز قدرات البشر 

يرى الخبير الاقتصادي الإماراتي نجيب الشامسي لـ 24 أن "التحدي التربوي لم يعد يقتصر على تعليم استخدام التكنولوجيا، بل أصبح يتعلق بتكوين أفراد قادرين على فهمها وتوظيفها بوعي ومسؤولية"، مؤكداً أن "تصميم برامج إعداد هؤلاء الأفراد يمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لإعداد أجيال قادرة على التفاعل مع التحولات الرقمية دون فقدان هويتها الثقافية أو حسها النقدي".

ويقول الشامسي: "رغم المخاوف المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي، يثبت الواقع أنه أداة لتعزيز القدرات الإنسانية، وليس بديلاً لها"، موضحاً أنه "يُسرّع البحث والتحليل والإنتاج والتخطيط، مما يُتيح للمهنيين رفع إنتاجيتهم وتوسيع نطاق خدماتهم بتكلفة أقل".

ويتوقع أن تكون "القيمة المضافة الحقيقية من نصيب من يجمعون بين خبراتهم الإنسانية واستخدامهم الذكي لهذه التقنيات، لأن الإبداع والحكمة والقدرة على اتخاذ القرار ستظل عناصر إنسانية لا يمكن استبدالها بالكامل".

"أنثروبيك" تتيح نموذجها الأكثر تطوراً للذكاء الاصطناعي للاستخدام العام - موقع 24أعلنت شركة "أنثروبيك" المطوِّرة لنماذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، أمس الثلاثاء، إتاحة النسخة الأكثر تطوّراً من تقنيتها للعامة، مع تقييد استخدامها في مجالات حسّاسة.

بدوره، يرى خبير التكنولوجيا إياد بركات لـ 24 أن "رؤية غيتس صحيحة في ما يخص الوظائف الروتينية غير الإبداعية، لكنها لا تلغي حقيقة أن الذكاء الاصطناعي قد يُطوّر وظائف أخرى كالبرمجة والتصميم وسائر المهن الإبداعية".

ويشير إلى أن التحولات الرقمية الراهنة تدفع إلى إعادة تعريف مفهوم العمل نفسه، إذ "بات بإمكان الأفراد خلق فُرصهم عبر المعرفة والخبرة والإبداع والتكنولوجيا، بدلاً من انتظار الوظائف التقليدية".