رغم أن الاقتصاد الإسرائيلي يبدو مستقراً ظاهرياً، مدعوماً بانخفاض أسعار الفائدة، وتحرك التضخم ضمن النطاق المستهدف، إلى جانب تلميحات بنك إسرائيل بإمكانية المضي في مزيد من التيسير النقدي إذا بقيت الأسعار تحت السيطرة، فإن فاتورة الحرب تسير في الاتجاه المعاكس، مع تباطؤ النمو، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتفاقم الدين العام.
قرر بنك إسرائيل في 6 يوليو (تمّوز) الحالي، خفض سعر الفائدة إلى 3.5%، مشيراً إلى أن مسار السياسة النقدية سيتحدد وفق تطورات التضخم والنشاط الاقتصادي وحال عدم اليقين الجيوسياسي والتطورات المالية. وبحسب البنك، يتوقع قسم الأبحاث نمواً بـ4% في 2026 و 5.5% في 2027 بشرط:" ألا تزيد ميزانية الدفاع على الاحتياطي المخصص لها في الموازنة". بخلاف ذلك، تتجه التوقعات صوب عجز عند 4.9% من الناتج المحلي في 2026 و 4.2% في 2027".
وبناءً على ذلك، يمثل هذا الشرط "مفتاح الأزمة"، إذ إن خفض أسعار الفائدة يمنح الأسر والشركات متنفساً مالياً، لكنه وحده لا يكفي لخفض كلفة الحرب. وفي حال توسعت مطالب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بزيادة الإنفاق، فقد لا يبقى العجز عند المستويات التي يتوقعها بنك إسرائيل، بل قد يتحول إلى عامل إضافي يضغط على الدين العام ويقيد الإنفاق المدني.

نمو أقل تحت ضغط الحرب
صندوق النقد الدولي يقدم قراءة أكثر تحفظاً للمشهد، إذ يشير في مشاورات المادة الرابعة مع إسرائيل، إلى أن التوترات الإقليمية تلقي بظلها على الاقتصاد الإسرائيلي. وبالتالي، خفض توقعاته لنمو 2026 إلى 3.5% من 4.8% قبل اندلاع الحرب على إيران، موضحاً أن "التوقعات تعكس انكماشاً حاداً في الربع الأول، يعقبه تعافٍ محدود خلال بقية العام في وقت تميل فيه مخاطر النمو إلى الجانب السلبي، ومخاطر التضخم إلى الجانب الصعودي".
ويرى الصندوق أن استمرار الأعمال العدائية في شرق المتوسط سيُبقي الإنفاق الدفاعي مرتفعاً، في وقت يواصل فيه سوق العمل مواجهة ضغوط ناجمة عن التعبئة العسكرية وتراجع توافر العمال غير الإسرائيليين.
وفقاً لتقديرات بنك إسرائيل، يبقى العجز المالي قابلاً للاحتواء ما دامت ميزانية الدفاع لا تتجاوز الإطار المرسوم لها. غير أن الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية ترسم صورة أكثر قتامة، إذ تشكك في قدرة هذا الإطار على الصمود أمام تصاعد متطلبات الإنفاق العسكري.
بعد "تنحّي" حماس.. خطة تعافي غزة تصطدم بشح التمويل وضبابية المرحلة الانتقالية - موقع 24إعلان حركة حماس حل سلطتها المهيمنة على غزة منذ عقدين، يفتح الباب أخيراً أمام إطلاق عملية إعادة إعمار مؤجلة بعد تسعة أشهر على انتهاء حرب مدمرة دامت 1000 يوم. على أن خطة التعافي الاقتصادي المرسومة لغزة تواجه تحديات كبيرة، وفق محللين، مع قرب دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة المنبثقة عن "مجلس ...
"مكابشة" بين الدفاع والمال
إذ تفيد صحيفة "كلكلست" الاقتصادية، بأن "الخلاف العميق بين وزارتي الدفاع والمالية حول زيادة ميزانية الدفاع اقترب من التسوية، بعد موافقة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على إطار يقضي بتحويل 12 مليار شيكل (نحو 3.9 مليارات دولار) فوراً إلى وزارة الدفاع، ثم 3 مليارات شيكل (نحو 986 مليون دولار) إضافية قبل نهاية العام، فوق ميزانية أساسية للدفاع تبلغ 143 مليار شيكل (نحو 47 مليار دولار) في 2026".
وبحسب الصحيفة، خصصت شعبة الميزانيات 25 مليار شيكل إضافية (نحو 8.2 مليارات دولار)، تُصرف على دفعتين في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، استناداً إلى تقديرات الاحتياجات التشغيلية للجيش.
وتنقل صحيفة "كلكليست" عن وزارة الدفاع قولها إن التوسع في الالتزامات التشغيلية للجيش يستلزم توفير كامل المبلغ الإضافي المطلوب، في حين ترى وزارة المالية أن هذا التقدير مبالغ فيه. وتشير الصحيفة إلى أنه في حال إقرار كامل المخصصات، فقد ترتفع ميزانية الدفاع إلى ما لا يقل عن 183 مليار شيكل (نحو 60.1 مليار دولار) بنهاية العام، متجاوزةً السقف المحدد في الموازنة. كما لفتت إلى أن المؤسسة الدفاعية قدّرت احتياجاتها الإجمالية بنحو 188 مليار شيكل (نحو 61.8 مليار دولار)، في ظل استمرار وجود نحو 60 ألف جندي احتياط في الخدمة الفعلية.
لذلك، لا تكمن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل في حجم العجز المعلن، بل في موازنة لا تستند إلى أرضية مستقرة، في وقت تتغير فيه متطلبات الإنفاق الدفاعي تبعاً للتطورات العسكرية على مختلف الجبهات.

الدفاع يزاحم الخدمات المدنية
يضع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية هذه الأزمة في صورة أكثر وضوحاً، إذ يقول في ورقة بحثية عن موازنة 2026 تحت عبء الدفاع، إن الإنفاق الدفاعي ارتفع بشكل كبير مقارنة بوضع ما قبل الحرب، إذا ارتفاع من نحو 4.2% من الناتج المحلي في 2022 إلى قرابة 8% في 2026. وبحساب حصة الموازنة، ارتفع الدفاع من 16% من موازنة الدولة في 2022 إلى نحو ربع الموازنة في 2026 بما يعادل 175 مليار شيكل (نحو 57.5 مليار دولار).
وخصلت الورقة البحثية إلى أن إسرائيل تنفق على الأمن نسبة أكبر من حجم اقتصادها، بينما يضيق الحيز المالي الذي كان متاحاً قبل الحرب.
والأكثر حساسية أن الضغوط لا تقتصر على المؤشرات المالية الكلية، إذ يشير المعهد إلى أن الإنفاق المدني في إسرائيل كان منخفضاً بالفعل مقارنة بالدول المتقدمة حتى قبل الحرب. ويوضح أن الإنفاق المدني، باستثناء مدفوعات الفائدة، يقل بنحو 10 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما يعادل نحو 220 مليار شيكل (نحو 72.3 مليار دولار) بأسعار 2026.
وبحسب المعهد، ينعكس هذا الفارق على جودة الخدمات العامة، والبنية التحتية، والرعاية الصحية، والتعليم، والصحة النفسية، والنقل العام، فضلاً عن قدرة الدولة على دعم مواطنيها في أوقات الطوارئ.
الصحة والتعليم في الخلفية
وتقدم صحيفة "لوموند" الفرنسية صورة مماثلة من زاوية تمويل الحرب، إذ ذكرت أن الكنيست كان يستعد للتصويت على زيادة تتجاوز 30 مليار شيكل (9.9 مليارات دولار) في مخصصات الدفاع لتمويل العمليات العسكرية في إيران ولبنان. ومن شأن هذه الزيادة أن ترفع الإنفاق الدفاعي المخصص لعام 2026 إلى 142 مليار شيكل (نحو 46.6 مليار دولار)، بما يعادل نحو 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وتضيف الصحيفة أن هذا المستوى يزيد على أكثر من ضعفي مخصصات الدفاع التي سبقت هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وتضمنت خطة التمويل خفضاً بنسبة 3% في موازنات وزارات أخرى، بينها الصحة والتعليم، إلى جانب رفع العجز المتوقع من 3.9% في التقديرات السابقة إلى 5.1% في النسخة الجديدة من الموازنة. كما أشارت صحيفة "لوموند" إلى أن تعبئة أكثر من 110 آلاف جندي احتياط للعمليات البرية في لبنان أضافت ضغوطاً كبيرة على المالية العامة.
قطاع التكنولوجيا
ويظل قطاع التكنولوجيا أحد أعمدة الاقتصاد الإسرائيلي، لكنه يواجه بدوره ضغوطاً متزايدة، فبحسب "رويترز"، أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية برنامج دعم بقيمة 1.6 مليار شيكل (نحو 526 مليار دولار)، نحو 537 مليون دولار، لمساندة التكنولوجيا وقطاعات التصدير المتضررة من صعود الشيكل، الذي ارتفع بنحو 30% أمام الدولار بين أبريل (نيسان) 2025 ومايو (أيار) 2026.
وتشير رويترز إلى أن قطاع التكنولوجيا يمثل نحو 20% من النشاط الاقتصادي في إسرائيل، وأكثر من 50% من صادراتها، ونحو 15% من إجمالي الوظائف، ما يجعل أي ضغوط يتعرض لها تهديداً لأحد أهم محركات النمو ومصادر النقد الأجنبي.
وتقول هيئة الابتكار الإسرائيلية إن القطاع حقق في 2025 صادرات بنحو 85 مليار دولار، وتمويلات تقارب 15 مليار دولار، وبلغت حصته 18.3% من الناتج المحلي، لكنها حذرت في الوقت نفسه من تراجع موظفي البحث والتطوير داخل إسرائيل للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، واتساع انتقال الوظائف والإدارات وأنشطة التطوير إلى الخارج.
وتلخص "كالكاليست" المفارقة بأن شركات التكنولوجيا الإسرائيلية تكبر، لكن ليس بالضرورة داخل إسرائيل، إذ يظل القطاع قوياً في أرقامه، لكنه أقل رسوخاً في الداخل مع انتقال جزء متزايد من نشاطه إلى الخارج.
معادلة صعبة
ووفق هذه المعطيات، يبدو أن إسرائيل تقف أمام معضلة صعبة تتحكم فيها العديد من العوامل أبرزها احتياجات المؤسسة العسكرية التي لم يُغلق بابها بعد، والتكنولوجيات التي لا يمكن الرهان عليها، حتى أصبح خفض الفائدة مُجرد مسكن مؤقت في انتظار تطورات تلك العوامل.