تغيرت نظرة شركات التكنولوجيا الحيوية للشيخوخة، لتتحول من مرحلة طبيعية في حياة الإنسان إلى هدف للعلاج؛ فبدلاً من تطوير دواء لكل مرض على حدة، تراهن هذه الشركات على أن تأخير التغيرات البيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر قد يحد من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة جملة واحدة.

وتحولت هذه النظرة إلى سباق استثماري عالمي، ففي الربع الأول من 2026، جمعت شركات التكنولوجيا الحيوية المتخصصة في أبحاث إطالة العمر 3.74 مليار دولار عبر 49 جولة تمويل، بزيادة 56% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق تحليل نشرته مجلة "فوربس".

من خيال هوليوود إلى الواقع

هذا التحول لم ينبت من العدم، فعند عرض فيلم "Death Becomes Her" بطولة ميريل ستريب وغولدي هون وبروس ويليس وإيزابيلا روسيليني عام 1992، سخرت هوليوود من هوس الإنسان بالشباب الأبدي، وقدمت فكرة شراء الجمال وإطالة العمر بوصفها خيالاً مستحيلاً، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لم تعد الفكرة مجرد حبكة سينمائية، بل تحولت لمشروع تقوده شركات ناشئة بتمويل من مليارديرات وادي السيلكون.

وسط هذا المشهد، يبرز المليونير الأمريكي برايان جونسون بوصفه أشهر الوجوه المرتبطة بحركة إطالة العمر، فبعد تكوين ثروته من قطاع التكنولوجيا، أنفق ملايين الدولارات على برنامجه الصحي شديد الصرامة "بلوبرينت"، واضعاً جسده في قلب تجربة مفتوحة لاختبار قدرة الطب على إبطاء الشيخوخة بل وإعادته لعمر الـ18 مقابل مليوني دولار سنوياً؛ لكن المفاجأة حدثت  بعد إعلان إصابته بمرض مناعي لا يعرف له علاج.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Bryan Johnson (@bryanjohnson_)

هل اصطدم الحلم بالطبيعة؟

قد تبدو إصابة برايان جونسون للوهلة الأولى تناقضاً مع المشروع الذي كرس له سنوات من حياته، إلا أن أطباء المناعة يرون الأمر بصورة مختلفة؛ فالأمراض المناعية الذاتية لا ترتبط بالضرورة بنمط الحياة أو مستوى اللياقة أو جودة التغذية، بل تنشأ عندما يخطئ الجهاز المناعي في التعرف إلى بعض خلايا الجسم، فيتعامل معها كما لو كانت جسماً غريباً ويهاجمها.

وفي حالة جونسون، لم يكن المرض مرتبطاً بالشيخوخة نفسها، إذ شُخص بالتهاب المعدة المناعي الذاتي، وهو مرض يهاجم فيه الجهاز المناعي الخلايا المنتجة لحمض المعدة و"العامل الداخلي" المسؤول عن امتصاص فيتامين B12.

ونتيجة لذلك، يعاني المريض من نقص الفيتامين وفقر الدم ومضاعفات أخرى تستلزم المتابعة والعلاج التعويضي، بينما لا يتوافر حتى الآن علاج يعيد برمجة الجهاز المناعي أو يوقف المرض نهائياً، وفق خبراء في أمراض المناعة والجهاز الهضمي.

من جهة أخرى، تركز أبحاث إطالة العمر في الأساس على تأخير التغيرات البيولوجية المرتبطة بالتقدم في السن، أملاً في تقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة التي يزداد انتشارها مع العمر، مثل السرطان وأمراض القلب والزهايمر.

أما التهاب المعدة المناعي الذاتي الذي أُصيب به برايان جونسون، فينتمي إلى فئة مختلفة من الأمراض، إذ ينشأ عن خلل في الجهاز المناعي، وليس نتيجة التقدم في العمر وحده، لذلك، لا يرى اختصاصيو المناعة أن إصابته تمثل فشلاً لأبحاث إطالة العمر، بل توضح صراحة حدود ما تستطيع هذه الأبحاث تحقيقه.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Bryan Johnson (@bryanjohnson_)

بين العلم والهوس

ولا يقتصر الجدل على حدود الأبحاث، بل يمتد إلى الدوافع النفسية التي تغذي الدوافع الإنسانية لأبطال هذه التجارب، وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي في تصريحاته لـ"24"، أن الاهتمام بالصحة يختلف جذرياً عن هوس مقاومة الشيخوخة، موضحاً أن بعض الأشخاص، خصوصاً ممن حققوا نجاحاً أو ثروة أو مكانة كبيرة، يعانون من هلع فقدان الشباب أو المكانة أو القدرة، فيصبح التقدم في العمر تهديداً نفسياً أكثر منه تغيراً بيولوجياً طبيعياً.

ويضيف أن هذا الخوف يدفع بعضهم إلى إنفاق مبالغ طائلة على برامج وإجراءات تعد بإبطاء الشيخوخة، حتى عندما لا تكون نتائجها محسومة علمياً، ما خلق سوقاً لا تبيع تقنيات طبية فقط، بل تبيع أيضاً وعداً يصعب مقاومته: "البقاء أصغر سناً لأطول فترة ممكنة".

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Bryan Johnson (@bryanjohnson_)

الاستثمار في الجسد

ومن الناحية الاجتماعية، تشير الدكتورة ميادة لطفي حماد، مدرس علم الاجتماع بجامعة المنصورة، في تصريحات لـ "24"، إلى أن ظاهرة برايان جونسون تعكس تحولاً عميقاً في علاقة الإنسان بجسده؛ فبفضل التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، لم يعد يُنظر للجسد باعتباره كياناً طبيعياً يتغير مع الزمن، بل مشروعاً يمكن قياسه وتحسينه وإدارته بصورة مستمرة.

وتوضح ميادة لطفي حماد أن جانباً متزايداً من الباحثين والمستثمرين لم يعد يتعامل مع الشيخوخة باعتبارها مرحلة عمرية، بل يتعاملون باعتبارها سبباً بيولوجياً يقف وراء أمراض مثل السرطان والزهايمر وأمراض القلب، وهو ما يفسر الدعوات داخل بعض الأوساط العلمية إلى التعامل معها باعتبارها حالة تستحق التدخل الطبي، وليس مجرد مسار طبيعي للحياة.

وتحذر مدرس علم الاجتماعي من أن النجاح العلمي، إذا ظل حكراً على القادرين على تحمل تكلفته، قد يفتح الباب أمام شكل جديد من عدم المساواة؛ فإلى جانب امتلاك الأثرياء ثروات أكبر، قد يمتلكون أيضاً سنوات أكثر من الحياة الصحية، بينما يظل الآخرون أسرع عرضة لأمراض الشيخوخة، ما قد يحول العمر نفسه إلى امتياز اقتصادي.