لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مجرد منافسة حول امتلاك النموذج الأكبر أو الأحدث، بل تطور الأمر إلى من يمتلك النموذج الأنسب لكل مهمة وبأقل تكلفة في ظل التنافس السعري بين مختلف النماذج حالياً، من أجل الوصول إلى النموذج الأكثر ملاءمة لوظيفة معينة، بالتكلفة المناسبة، ومع البيانات المطلوبة، وفي البيئة التشغيلية المختارة.
"هذا التحول يفتح الباب أمام نوع جديد من المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي، ويركز بشكل أقل على حجم النموذج، وبشكل أكبر على التوجيه الذكي والكلفة، والتحكم"، وفق رؤية الرئيس التنفيذي لشركة "بيربليكسيتي أرافيند سريناس.
طفرة جديدة
ويقول سريناس لشبكة سي إن بي سي: "النموذج بمفرده لم يعد المنتج الأساسي. المنتج الفعلي هو نظام الإدارة والتوجيه الذكي الذي يضع هذا النموذج داخل بيئة عمل قادرة للغاية على تنفيذ المطلوب، ويربطه بمجموعة واسعة من الأدوات والبيانات".
وهذا يعني أن منتجات الذكاء الاصطناعي بدأت تتحول إلى أنظمة ذكية يمكنها تحديد أي نموذج يجب استخدامه، في التوقيت المطلوب لإتمام المهمة.
وعلى سبيل المثال بحسب سريناس، "مهام خدمة العملاء ربما لا تتطلب النموذج الأكثر تكلفة، في حين قد تحتاج معالجة مشكلة برمجية معقدة إلى ذلك، أما مهام سير العمل الداخلية الروتينية فيمكن تشغيلها على نموذج مفتوح وأرخص كلفة، مع تصعيد الخطوات الأكثر تعقيداً إلى نموذج أكثر قوة". مضيفاً: "الإجابة دائماً هي: استخدم الخيار الأفضل والمناسب للمهمة المطلوبة".
ويأتي ظهور هذه النماذج البديلة في وقت تقوم فيه الشركات الأمريكية بتقليص الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ما يفرض تحدياً جديداً على شركات مثل "أوبن إيه آي"، و"أنثروبيك"، والتي ازدهرت طوال السنوات القليلة الماضية عبر بيع التقنيات الأكثر تطوراً والأعلى سعراً عالمياً.
نماذج رخيصة أكثر كفاءة
وتماشياً مع هذه الرؤية، استعرضت شركة "بيربليكسيتي" هذا الأسبوع نظاماً جديداً لمنتجها الخاص باستخدام الكمبيوتر، مبنياً على النموذج GLM 5.2، وهو نموذج مفتوح من تطوير مختبر "زد إيه آي" الصيني. وتم تصميم هذا النظام الجديد بالسماح للنموذج الأرخص بمعالجة الجزء الأكبر من العمل، مع استدعاء نموذج أقوى وأكثر تكلفة عند الحاجة فقط".
ويعكس هذا النهج تغييراً أوسع في السوق؛ إذ أصبحت النماذج مفتوحة الأوزان والتي يمكن للشركات تنزيلها وتعديلها وتشغيلها محلياً أكثر كفاءة وقدرة، كما أن تكلفة تشغيلها تعد أقل بكثير مقارنة بالنماذج المدفوعة والمملوكة لمختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
ويرى الشريك العام في شركة "بينشمارك - Benchmark" بيتر فينتون أن هذا التحول قد يكون دراماتيكياً، ويقول: "هناك رؤية قد تبدو مغايرة للتيار السائد، لكنها تتحول الآن إلى إجماع في الآراء، وهي اعتقادنا بأن أكثر من 90% من الرموز التي يتم إنشاؤها ستصدر عن نماذج مفتوحة الأوزان خلال الـ 18 إلى 24 شهراً القادمة، وربما يحدث ذلك بحلول نهاية هذا العام".
والرموز هي وحدات البيانات التي تعالجها نماذج الذكاء الاصطناعي وتنتجها ثم تبيعها للمستخدمين عن طريق اشتراكات بأسعار محددة.
ويضيف فينتون: "أعتقد أن هوامش الأرباح التي تحققها شركات النماذج الرائدة ستتعرض لضغوط شديدة، خاصة عندما يصبح بإمكان الشركات تشغيل تلك النماذج دون دفع هوامش الربح الإضافية التي تفرضها المختبرات الكبرى، وذلك بفضل توفير نماذج مفتوحة الأوزان بجودة جيدة بما يكفي".
ويوضح أن الانتقال إلى النماذج المفتوحة لا يتعلق فقط بتوفير المال؛ ففي بعض الحالات، يمكن للنماذج الأصغر حجماً والمخصصة لمهمة محددة أن تكون أسرع وتقدم أداءً أفضل من النماذج الضخمة العامة.
أين تعمل هذه النماذج ؟
التوجه الجديد في نماذج الذكاء الاصطناعي واللجوء إلى الأقل كلفة، دفع شركة "بينشمارك" للاستثمار في شركة "أولاما"، التي تسهل على المطورين والمؤسسات تنزيل النماذج المفتوحة وتشغيلها وإدارتها.
يقول الرئيس التنفيذي لشركة "أولاما" جيف مورغان: "هناك جانب يتعلق بمصدر النموذج ومكان إنشائه وتدريبه، ولكن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للشركات التي نتحدث إليها هو أين يعمل هذا النموذج وكيف؟".
ويشير مورغان إلى أن "أولاما" تم اعتمادها من قبل أكثر من 85% من شركات قائمة "فورشن 500"، وهي قائمة تضم أكبر 500 شركة في أمريكا من حيث الإيرادات، بما في ذلك شركات تعمل في قطاعات تخضع لرقابة تنظيمية صارمة مثل الطيران، والتأمين، والرعاية الصحية.
ويوضح أن العديد من الشركات تبدأ بنماذج أصغر تعمل بالقرب من بياناتها الخاصة، ثم تتوسع إلى نماذج مفتوحة أكبر كلما زادت خبرتها وثقتها في التعامل مع هذه التقنية.
ورغم نجاح هذا الاتجاه إلا أنه يفرض تحدياً استراتيجياً للولايات المتحدة؛ إذ تأتي العديد من النماذج مفتوحة الأوزان الأكثر تنافسية من مختبرات صينية، بما في ذلك "زد إيه آي" و"ديب سيك"، وربما حوّل هذا الأمر الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر إلى قضية تجارية ومسألة تنافسية.
وفي هذا السياق، يدعو سريناس الولايات المتحدة إلى دعم النماذج المفتوحة لأنها تجعل الذكاء الاصطناعي متاحاً وبأسعار معقولة، قائلاً: "إذا كنت تريد أن تتوزع فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لتشمل الشركات الصغيرة في أمريكا والدول الحليفة لها، فأنت بحاجة إلى جعل الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة بكثير، والمصدر المفتوح هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك".
لماذا هذه النماذج هي الأرخص ؟
بحسب شبكة سي إن بي سي "إن النموذج الصغير عندما يتم تدريبه وتعديله للقيام بـ مهمة واحدة محددة جداً، فإنه يتفوق في السرعة والدقة على النماذج العملاقة العامة، وبجزء بسيط من الحجم والتكلفة.
وبدلاً من إرسال كل البيانات عبر الإنترنت إلى مراكز البيانات السحابية الضخمة والمكلفة، يتم تشغيل المهام الروتينية مباشرة محلياً على أجهزة المستخدمين أو حواسب الشركات مستفيدة من تطور الأجهزة الحديثة، ويترك الاتصال بالمراكز السحابية فقط للمهمات شديدة التعقيد.