تحولت حكايات الأشباح والمعتقدات الشعبية العربية من قصص تتناقلها الأجيال إلى مادة ترفيهية تتنافس عليها شركات الإنتاج والمنصات الرقمية، بعدما أثبتت قدرتها على جذب جمهور واسع وتحقيق عوائد مالية، مستفيدة من ارتباطها بالذاكرة الثقافية للجمهور العربي ورغبته في مشاهدة قصص قريبة من بيئته وموروثه.
من الحارة الشعبية إلى المنصات الرقمية
يعود توظيف الفلكلور في الدراما والسينما العربية إلى عقود مضت، إذ بدأت السينما المصرية تقديم قصص الرعب المستندة إلى الموروث المحلي عبر أعمال مثل "الإنس والجن" عام 1985 بطولة عادل إمام ويسرا، و"التعويذة" عام 1987، قبل أن يشهد هذا النوع مرحلة جديدة مع انتشار المنصات الرقمية وتطور تقنيات الإنتاج.
وظهرت خلال السنوات الأخيرة أعمال عربية أعادت تقديم الرعب الشعبي بصيغ حديثة، من أبرزها:
- فيلم "Djinn" الإماراتي: بلغت ميزانية إنتاجه نحو 5 ملايين دولار، وكان من أوائل محاولات تقديم الرعب الخليجي بإنتاج دولي.
- سلسلة "الفيل الأزرق": تجاوزت إيرادات الجزء الثاني 100 مليون جنيه مصري في شباك التذاكر، ليصبح أول فيلم مصري يتخطى هذا الحاجز، فيما يجري إنتاج الجزء الثالث منه حالياً.
- "ما وراء الطبيعة": تصدر قائمة "Top 10" على نتفليكس في عدد من الدول العربية عند إطلاقه، كما أصبح أول عمل مصري يُترجم إلى أكثر من 32 لغة ويُدبلج إلى 9 لغات، ليصل إلى جمهور في 190 دولة.
إضافة إلى أعمال خليجية منها مسلسل "وحوش" الكويتي، وحكايات مثل "عرس الجن"، و"كائنات" الإماراتي بجزئيه، اللذين وسعا حضور هذا النوع في الدراما الخليجية.
عوامل انتشار أعمال الرعب
ولم يأتِ الحضور المتزايد لأعمال الرعب العربية من فراغ، بل ساعدت المنصات الرقمية على توسيع انتشاره، بعدما أصبح بإمكان الأعمال المحلية الوصول إلى جمهور يتجاوز حدود السوق التقليدية. إذ حققت قنوات يوتيوب والبودكاست المتخصصة في قصص الرعب والغموض جمهوراً واسعاً، في مؤشر على اتساع الطلب على هذا النوع من المحتوى.
وعلى سبيل المثال، تضم قناة "أساطير الجن" نحو 340 ألف مشترك، فيما تجاوزت مشاهداتها 73 مليون مشاهدة، ما يعكس وجود قاعدة جماهيرية كبيرة لحكايات الرعب.
لماذا تستثمر شركات الإنتاج في الرعب العربي؟
يرجع اهتمام المنتجين بهذا النوع إلى مجموعة عوامل، أبرزها انخفاض تكاليف إنتاجه مقارنة ببعض الأنواع السينمائية الأخرى، وقدرته على جذب جمهور الشباب، إضافة إلى إمكانية بناء عوالم وشخصيات قابلة للتوسع في أجزاء جديدة.
كما يمنح الرعب المستند إلى الفلكلور العربي ميزة تنافسية، لأنه يقدم قصصاً مرتبطة بثقافة محلية يصعب تكرارها في الأسواق الأخرى، مع إمكانية دمجها بعناصر عالمية مثل التشويق والغموض والدراما النفسية.
حكايات الجدات تتحول إلى أعمال درامية
كما يمتد حضور الجن والغول والنداهة والقرين في الثقافة العربية عبر قرون طويلة، باعتبارها جزءاً من الرواية الشفوية التي تتناقل داخل العائلات والمجتمعات قبل أن تجد طريقها إلى الأدب والسينما والتلفزيون.
وفي هذا الصدد، تقول الدكتورة ميادة لطفي حماد، مدرس علم الاجتماع بجامعة المنصورة، في تصريحات لـ 24، إن الفلكلور لم يعد مجرد موروث قديم، بل تحول إلى مادة حية تستمد قوتها من ارتباطها المباشر بالذاكرة الجمعية للمجتمع العربي.
وتوضح أن هذه القصص تمتلك قدرة على إثارة المشاعر لأنها مألوفة للجمهور، مقارنة بالأساطير المستوردة التي تعتمد على عناصر ثقافية مختلفة مثل مصاصي الدماء والمستذئبين، وهي شخصيات لا تشكل جزءاً حقيقياً من الفلكلور الشعبي.
وترى حماد أن المعتقدات الشعبية ارتبطت تاريخياً بمحاولات تفسير الظواهر غير المفهومة والتعامل مع المخاوف الجماعية، لذلك فإن تقديمها في أعمال فنية يمنح المشاهد فرصة لمواجهة هذه المخاوف داخل إطار ترفيهي آمن.
كما تشير إلى أن عودة الفلكلور تعكس رغبة لدى الأجيال الجديدة في البحث عن محتوى يحمل هوية ثقافية خاصة بدلاً من الاعتماد الكامل على النماذج الغربية.
لماذا ينجذب الجمهور إلى قصص الرعب؟
من ناحيته، يفسر الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، في تصريحات لـ24، استمرار الإقبال على أعمال الرعب المستندة إلى الأساطير الشعبية بأن هذا النوع من القصص يأخذ المشاهد في رحلة مليئة بالتشويق والإثارة، خاصة بين فئة الشباب والمراهقين الباحثين عن تجارب مختلفة.
ويشير فرويز إلى أن الحكايات الشعبية التي يسمعها الإنسان في طفولته تمنح خياله مساحة واسعة لتكوين صور ذهنية خاصة، ما يفسر بقاء أثرها في الذاكرة لسنوات.
ويرى الطبيب النفسي أن نجاح الأعمال الدرامية المستوحاة من هذه القصص يعود إلى أنها تستحضر ذلك المخزون الذهني والوجداني لدى المشاهد، حتى وإن أعادت تقديمه بصيغة بصرية حديثة.
ويفرق الدكتور جمال فرويز بين الرعب المستوحى من الموروث الشعبي والرعب الأجنبي، موضحاً أن الأعمال الغربية تعتمد غالباً على مشاهد العنف والتهديدات المادية، بينما ترتكز الأعمال العربية على عناصر غيبية مثل الجن والعفاريت، ما يمنحها تأثيراً نفسياً مختلفاً بسبب ارتباطها بمعتقدات وقصص مألوفة لدى الجمهور منذ الصغر.
ويضيف أن مشاهدة أعمال الرعب قد تمنح البعض شعوراً بالإثارة نتيجة التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالخوف، مثل إفراز هرمون الأدرينالين، الذي يعقبه ارتفاع في بعض النواقل العصبية المرتبطة بالشعور بالراحة والسعادة.
لكنه يحذر من أن يتحول هذا النوع من المحتوى إلى مصدر للقلق لدى الأطفال أو الأشخاص الأكثر حساسية إذا اختلط لديهم الخيال بالواقع.
وبين موروث شعبي تتناقله الأجيال وصناعة ترفيه تبحث عن أفكار جديدة، يبدو أن الرعب المستند إلى الفلكلور العربي لم يعد مجرد لون درامي، بل تحول إلى أحد المسارات التي تراهن عليها شركات الإنتاج لاستقطاب الجمهور داخل المنطقة وخارجها.