وفقاً لما نقلته وكالة "رويترز"، كشف تقرير نُشر اليوم الخميس، أعده "اتحاد لاعبات التنس المحترفات" و"الاتحاد الدولي للعبة"، أن غالبية حالات الإساءة الأخطر ضد لاعبي التنس عبر الإنترنت خلال موسم 2025 جاءت من مراهنين، وهو مؤشر يتجاوز البعد الأخلاقي والرياضي المباشر ليكشف عن جذور اقتصادية عميقة تحكم سلوك المراهنين تجاه الرياضيين، في قطاع تبلغ حركته المالية السنوية عشرات المليارات من الدولارات.
وبحسب الدراسة، كان المراهنون مسؤولين عن 42% من إجمالي الإساءات المؤكدة، و59% من إجمالي الإساءات الخطيرة التي استهدفت اللاعبين في جميع المستويات. وأظهر تقرير سابق نُشر في أواخر العام الماضي توجهات مماثلة، مشيراً إلى أن المراهنين الغاضبين كانوا مسؤولين عن ما يقارب نصف المنشورات المسيئة الموجهة إلى لاعبي التنس عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وهذا السلوك لا يبدو عرضياً، وإنما انعكاس مباشر لبنية اقتصادية تجعل من التنس أحد أكثر الرياضات ارتباطاً بأموال المراهنات؛ فوفقاً لبيانات منشورة على "مركز بابمد المركزي للأبحاث الطبية"، تتم 80% من المراهنات على مباريات التنس بعد بدء المباراة، ما يجعل خسارة رهان "حي" مرتبطاً مباشرة بلحظة أو نقطة بعينها سبباً مباشراً لغضب فوري يُصب على اللاعب عبر الإنترنت.
وأشارت الدراسة الأحدث إلى أن خدمة "ثريت ماتريكس"، التي أُطلقت في 2024 وتعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات مفتوحة المصدر لحماية الرياضيين من الإساءات والمضايقات عبر الإنترنت، حللت أكثر من 1.2 مليون منشور وتعليق خلال 2025. وصُنف أكثر من 12 ألف منشور على أنها مسيئة، من بينها 3726 منشوراً اعتُبرت إساءات خطيرة تنطوي على تهديدات عنيفة وجنسية وعنصرية وموجهة، وأحالت الخدمة 35 حساباً مرتبطاً بـ12 فرداً إلى أجهزة إنفاذ القانون. وأوضح التقرير أن 89% من الحسابات المسؤولة عن الإساءات الخطيرة في 2024 لم تظهر مجدداً في 2025، وهو ما يؤكد فعالية الجهود المشتركة لإنفاذ القانون.
وقال الاتحادان في بيان مشترك إن النتائج الصادرة اليوم توضح فعالية تلك الإجراءات حتى الآن، مؤكدين أن إحراز مزيد من التقدم الملموس يتطلب عملاً جماعياً من شركات وسائل التواصل الاجتماعي، وسلطات إنفاذ القانون، والهيئات الإدارية، وقطاع الرهانات.
وفي هذا السياق، تحدثت لاعبات عن الأثر الشخصي لهذه الظاهرة؛ إذ قالت أماندا أنيسيموفا لـ"هيئة الإذاعة البريطانية" في العام الماضي إنها كانت خائفة من النظر إلى هاتفها بعد هزيمتها أمام إيغا شفيونتيك في نهائي ويمبلدون، بسبب سيل الإساءات التي تلقتها عبر الإنترنت، بينما تحدثت كاتي بولتر عن تهديدات بالقتل تلقتها هي وأفراد عائلتها بعد المباريات.
البنية الاقتصادية التي تغذي الظاهرة
تندرج أزمة إساءات المراهنين ضمن منظومة اقتصادية أوسع بكثير من حوادث فردية، وفقاً لبيانات منصات متخصصة مثل "فورتشن بيزنس إنسايتس"، وتقارير "هيئة الإذاعة البريطانية"، وموقع "ذي أثلتيك":
أولاً، يُعد التنس بحسب تحقيقات صحيفة "واشنطن بوست" ثالث أربح سوق لشركات المراهنات عالمياً، إذ يتيح نظام النقاط في اللعبة (الرهان على الشوط أو الإرسال أو المجموعة المقبلة) تدفقاً مالياً متواصلاً ولحظياً، ما جعل سوق مراهنات التنس يتجاوز حاجز 50 مليار دولار سنوياً.
ثانياً، تعتمد الهيئات الحاكمة للتنس على تمويل قطاع المراهنات رغم مواجهتها للإساءة والفساد الناتجين عنه؛ فترعى شركات مراهنات كبرى مثل "بيتواي" بطولات أساتذة عالمية مثل بطولتي مدريد وميامي المفتوحتين، ويؤكد "الاتحاد الدولي للتنس" أن قرابة 90% من إيرادات شراكاته مع منصات المراهنات يُعاد استثمارها في تطوير اللعبة عالمياً وفي فئات الناشئين.

ثالثاً، وهو الرابط الأوثق بأزمة الإساءات، كشف تقرير "لجنة المراجعة المستقلة" أن الجوائز المالية في البطولات الأدنى (بطولات فيوتشرز) منخفضة لدرجة أن بضع مئات فقط من اللاعبين واللاعبات عالمياً يتمكنون من الوصول إلى نقطة التعادل المالي. وتستغل شبكات المراهنات غير القانونية هذه الضائقة المالية للاعبين الصغار، وتعرض عليهم مبالغ لتخسير شوط أو نقطة معينة تفوق ما قد يحصلون عليه في حال الفوز بالبطولة كاملة، ما يتسبب في خسائر فادحة لشركات المراهنات القانونية والمراهنين الأفراد الذين يصبّون غضبهم لاحقاً عبر الإنترنت على اللاعبين أنفسهم.
رابعاً، يفرض نمو أسواق المراهنات على اتحادات التنس ضخ استثمارات مالية ضخمة لحماية نزاهة اللعبة وأمان الرياضيين، عبر تمويل هيئات مثل "الوكالة الدولية لنزاهة التنس" وبرامج مراقبة متطورة مثل "ثريت ماتريكس" ذاتها، وهي عمليات تكلف ملايين الدولارات سنوياً وتمثل عبئاً مالياً إضافياً على ميزانيات الاتحادات الرياضية.
خامساً، تأتي هذه الأزمة كجزء من نمو انفجاري يعيشه قطاع المراهنات الرياضية الرقمية عالمياً؛ إذ تشير تقارير "فورتشن بيزنس إنسايتس" الاقتصادية لعام 2026 إلى أن حجم السوق العالمي للمراهنات الرياضية بلغ 113.79 مليار دولار، ومن المتوقع أن يقفز إلى 295.29 مليار دولار بحلول 2034 بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) يبلغ 11.18%، مدفوعاً بانتشار الهواتف الذكية وتقنين المراهنات في ولايات أمريكية ودول أوروبية جديدة.
نجوم التنس يطالبون بـ22% من الإيرادات بحلول 2030 - موقع 24عقد ممثلو أفضل لاعبي كرة التنس اجتماعاً إيجابياً مع منظمي بطولة رولان غاروس الفرنسية، للبحث في تعديل قيمة الجوائز المالية، وفق ما أعلن الاتحاد الفرنسي للعبة السبت.
إساءات المراهنين للاعبي التنس ليست ظاهرة معزولة عن المال، وإنما نتيجة مباشرة لبنية اقتصادية تجعل من كل نقطة في المباراة رهاناً مالياً حياً، وتترك في الوقت نفسه فجوة أجور تدفع بعض اللاعبين نحو التلاعب، بينما تتحمل الاتحادات الرياضية تكلفة مالية متصاعدة لحماية نزاهة اللعبة وسلامة رياضييها.