تواجه الولايات المتحدة تحدياً متزايداً في الحفاظ على مكانتها كأكبر وجهة للطلاب الدوليين، بعدما أدى تشديد سياسات الهجرة والتأشيرات في عهد الرئيس دونالد ترامب إلى تراجع الإقبال على الدراسة في الجامعات الأمريكية، في وقت تقدّم فيه وجهات تعليمية أوروبية وآسيوية تكاليف أقل، وفرصاً أوضح للعمل والإقامة.

وتُظهر بيانات تأشيرات الدخول عن فترة الـ12 شهراً المنتهية في 31 مارس (أذار) الماضي، أن عدد الطلاب الأجانب الوافدين إلى الولايات المتحدة تراجع إلى 1.18 مليون طالب، وهو ما يعكس انخفاضاً حاداً على مستويين؛ الأول أنه يقل بنسبة 24% عن المتوسط المسجل قبل جائحة كورونا، والثاني أنه يشهد هبوطاً جديداً بنسبة 17% مقارنة بالعامين الماضيين مباشرة.

ووفق تقرير "بلومبرغ"، فإن هذا التراجع المزدوج يمثل مؤشراً واضحاً على أن النهج الصارم الذي تتبعه الإدارة الحالية تجاه التعليم العالي أحدث فجوة عميقة، مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة.

كما يعكس ذلك تراجع ثقة الطلاب في سهولة الدراسة والإقامة داخل الولايات المتحدة مقارنة بالسنوات الأخيرة، خاصة أن معدل رفض تأشيرات الدراسة الأمريكية من فئة F-1 ارتفع إلى 35% خلال عام 2025، وهو أعلى مستوى يُسجل خلال عقد.

القيود الأمريكية للطلاب

في البداية سعت إدارة ترامب إلى فرض سقف لأعداد الطلاب الدوليين في بعض الجامعات المرموقة، كما اتخذت إجراءات لإلغاء تأشيرات طلاب شاركوا في انتقادات للسياسة الخارجية الأمريكية.

وبدءاً من سبتمبر (أيلول) المقبل، تعتزم الإدارة الأمريكية تطبيق قواعد جديدة أكثر تشدداً على الطلاب الأجانب، تقضي بتحديد مدة الإقامة الدراسية في الولايات المتحدة بأربع سنوات كحد أقصى، ما لم يحصل الطالب على موافقة من الحكومة الفيدرالية لتمديدها، بدلاً من النظام السابق الذي كان يسمح لهم بالبقاء حتى انتهاء دراستهم.

كما تنقل القواعد صلاحية تمديد الإقامة من الجامعات إلى السلطات الفيدرالية، مع فرض قيود على تغيير البرامج الدراسية أو الانتقال بين الجامعات، إضافة إلى تقليص المهلة الممنوحة للطلاب بعد التخرج لمغادرة الولايات المتحدة أو تغيير نوع التأشيرة إلى 30 يوماً بدلاً من 60 يوماً، وهو ما تبرره الحكومة بأنه يستهدف الحد من إساءة استخدام التأشيرات، وتعزيز الأمن القومي.

استقطاب أوروبي وآسيوي

في المقابل، استغلت دول عدة هذا المشهد لجذب الكفاءات عبر تقديم رسوم دراسية منخفضة وبرامج مرنة ومسارات وظيفية واضحة بعد التخرج، حيث برزت ألمانيا وأيرلندا وهولندا وسنغافورة كوجهات منافسة، بينما تحولت اليابان إلى مركز جذب رئيسي للباحثين الآسيويين، فيما عززت فرنسا موقعها كخيار أول للطلاب الأفارقة.

ويتزامن هذا الحراك مع تباين حاد في سلوك طلاب الهند والصين، اللتين كانتا تدفعان بنحو نصف إجمالي الالتحاق الدولي في أمريكا قبل كورونا؛ فبحسب البيانات اختار الطلاب الهنود تنويع وجهاتهم واستكشاف أسواق أكاديمية جديدة في أوروبا وآسيا، في حين فضّل نظراؤهم الصينيون البقاء في وطنهم مدفوعين بالطفرة التكنولوجية المحلية والترقية المتسارعة لجامعاتهم الوطنية، ما أدى إلى تراجع عدد الباحثين الصينيين المتوجهين إلى الولايات المتحدة إلى نصف ما كان عليه في ذروته عام 2018.

"جاسوس نووي" يعيد التوتر بين واشنطن وبكين - موقع 24كشفت عائلة عالم الزلازل الأمريكي، يولين تشين، المتخصص في دراسة الاختبارات النووية تحت الأرض، أن السلطات الصينية تحتجزه منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بتهمة التجسس، ولا توجد أي مؤشرات عن قرب الإفراج عنه حتى الآن، ما دعاها للتحدث علناً عن القضية بعد مرور ما يقرب من عامين.

لذلك يرى خبراء أن تداعيات هذا الابتعاد عن السوق الأمريكية لا تقتصر على قطاع التعليم فقط، بل تصل إلى الاقتصاد أيضاً.
فبحسب دراسة سابقة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فإن المهاجرين في الولايات المتحدة تزيد احتمالات تأسيسهم شركات جديدة بنحو 80% مقارنة بالمولودين داخل البلاد، ما يعني أن تراجع تدفق الطلاب الدوليين قد ينعكس مستقبلاً على ريادة الأعمال والاقتصاد الأمريكي ككل.